إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الفائدة السادسة .

الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومقاساة حمقهم وأخلاقهم فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر .

قيل للأعمش مم عمشت عيناك ? قال : من النظر إلى الثقلاء .

ويحكى أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال في الخبر أن من .

سلب الله كريمتيه عوضه الله عنهما ما هو خير منهما .

فما الذي عوضك فقال في معرض المطايبة عوضني الله منهما أنه كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم .

وقال ابن سيرين سمعت رجلا يقول : نظرت الى ثقيل مرة فغشي علي .

وقال جالينوس لكل شيء حمى وحمى الروح النظر إلى الثقلاء .

وقال الشافعي رحمه الله ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني كأنه أثقل علي من الجانب الآخر .

وهذه الفوائد ما سوى الأوليين متعلقة بالمقاصد الدنيوية الحاضرة ولكنها أيضا تتعلق بالدين .

فإن الإنسان مهما تأذى برؤية ثقيل لم يأمن أن يغتابه وأن يستنكر ما هو صنع الله فإذا تأذى من غيره بغيبة أو سوء ظن أو محاسدة أو نميمة أو غير ذلك لم يصبر عن مكافأته .

وكل ذلك يجر إلى فساد الدين وفي العزلة سلامة عن جميع ذلك فليفهم .

.

.


(الفائدة السادسة)

(الخلاص من مشاهدة الثقلاء) جمع ثقيل وهو من يثقل عليك وقعه ذاتا وصفات (والحمقاء) جمع أحمق، وهو من نقص جوهر عقله (ومقاساة خلقهم) أي: صورتهم الظاهرة وأخلاقهم الباطنة (فإن رؤية الثقيل هو العمى الأصغر وقيل للأعمش) سليمان بن مهران الكوفي رأى أنسا وأبا بكرة، وحديثه عن أنس مرسل (لم عمشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء) يقال: عمشت عينه إذا سال دمعها في أكثر الأوقات مع [ ص: 361 ] ضعف البصر وكان هو كذلك وقال ابن خيثمة في تاريخه، حدثنا أبو خالد الأحمر قال: قال الأعمش: ما عمشت إلا من بول الشيطان في أذني (ويحكى أنه دخل عليه) الإمام (أبو حنيفة) - رحمه الله تعالى- يوما (فقال له) ورد (في الخبر أن من سلب الله كريمتيه) أي: عينيه ويقال للعين كريمة لكرامتها على صاحبها (عوضه الله عنهما ما هو خير منهما) .

قال العراقي: رواه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث جرير: من سلبت كريمتيه عوضته عنهما الجنة .

وللبخاري من حديث أنس يقول الله تبارك: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته بهما الجنة. يريد عينيه اهـ .

قلت: حديث جرير رواه الطبراني في الأوسط بهذا اللفظ بزيادة: قال الله تعالى، وهو في الكبير أيضا إلا أنه وقع في النسخة عن جويبر وكأنه في تحريف من النساخ وقد روي ذلك أيضا من حديث أبي هريرة يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة. رواه هناد والترمذي وقال: حسن صحيح. ومن حديث أبي أمامة يقول الله تعالى: يا ابن آدم إذا أخذت كريمتيك فصبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أر لك ثوابا دون الجنة. رواه أحمد وأبو داود ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: قال ربكم إذا قبضت كريمة عبدي وهو بها ضنين فحمدني على ذلك لم أرض له ثوابا دون الجنة.

ومن حديث ابن عباس قال الله تعالى: إني إذا أخذت كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة. ورواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والضياء في المختارة، ومن حديث العرباض بن سارية قال الله -عز وجل-: إذا قبضت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له بهما ثوابا إلا الجنة إذا حمدني عليهما. رواه ابن حبان والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في التاريخ، وأما حديث أنس الذي أخرجه البخاري فقد أخرجه كذلك أحمد والطبراني في الكبير فأخرجه من حديث جرير بهذا اللفظ وروي بلفظ آخر: قال الله -عز وجل-: لا أقبض كريمتي عبدي فيصبر لحكمي ويرضى لقضائي فأرضى له بثواب دون الجنة. رواه هكذا عبد بن حميد وسمويه في فوائده وابن عساكر ورواه أبو يعلى بلفظ: قال ربكم من أذهبت كريمتيه ثم صبر واحتسب كان ثوابه الجنة.

(فما الذي عوضك) عنهما (فقال في معرض المطايبة) والمزاح: (عوضني عنهما أنه كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم) وهذا الجواب من الأعمش وإن كان سبيله سبيل المطايبة غير صواب. وأظنه إنما استثقله لأنه كان يبين خطأه وينبه الناس عليه، وهو معروف عند الناس أن من رأس في بلدة وكان فيها من هو أفقه منه لا يريد مجاورته ويستثقله ولا يحب بقاءه ولا أن يراه؛ لأنه كلما أخطأ يبين للناس خطأه، فمن ذلك ما قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: وحدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: أخبرني المغيرة بن جزء بن المغيرة قال: سمعت أبا حنيفة وقد قيل له إن الأعمش يقول إذا أردت أن أتسحر أقول أجيفوا الباب علي فأتسحر وأخرج إلى الصلاة فيقيم المؤذن حين أدخل المسجد، فقال أبو حنيفة: ما صام منذ صنع هذا، فهذا وأمثاله كان السبب في استثقاله إياه، وكيف يكون هذا وقد أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع العلم بسنده إلى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير فأجبته فقال لي: من أين قنت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتنيه أنت، ثم حدثته فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك ما عرفت تأويله إلا الآن .

وروي نحو هذا جرى بين الأعمش وأبي يوسف وأبي حنيفة فكان من قول الأعمش: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة ومن هنا قال اليزيدي: من تحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصيدلاني، وقال علي بن معبد بن شداد: حدثنا عبيد الله بن عمرو وقال: كنت في مجلس الأعمش فجاءه رجل فسأله عن مسألة فلم يجبه فيها ونظر إذا أبو حنيفة فقال: يا نعمان قل فيها قال: القول فيها كذا، قال: من أين؟ قال: من حديث كذا أنت حدثتناه، قال: فقال الأعمش: نحن الصيادلة وأنتم الأطباء ولله در القائل:


ومليحة شهدت لها ضراتها والحسن ما شهدت به الضرات

ومن صحت في العلم إمامته وبانت ثقته لم يلتفت إلى قول أحد، والعجب من المصنف كيف يورد هذا الكلام المفضي لسقوط حرمة إمام من أئمة الإسلام مع كمال تحذيره فيما سبق في تتبع هفوات الأئمة فتنبه لذلك [ ص: 362 ] وكان الأولى حذف قوله وأنت منهم تأدبا مع الإمام .

وأخرج ابن عبد البر حديث الزبير بن العوام -رضي الله عنه- رفعه: دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي الحالقة.. الحديث، وتقدم قريبا وأخرج من طريق سعيد بن جبير عن أبي عباس قال: اسمعوا أعلم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زروبها.

قال: وما مثل من يتكلم في الأئمة إلا كما قال الحسن بن حميد:


يا ناطح الجبل العالي ليكلمه     أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل



(وقال) محمد (بن سيرين) - رحمه الله تعالى- (سمعت رجلا يقول: نظرت إلى ثقيل مرة فغشي علي، وقال جالنيوس) هو حكيم من حكماء اليونان مشهور له تواليف في علم الحكمة: (لكل شيء حمى وحمى الروح النظر إلى الثقلاء) ومن هنا أخذ بعضهم فقال: مجالسة الثقيل حمى الروح .

(وقال الشافعي) -رحمه الله تعالى- (ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه مني كأنه أثقل من الجانب الآخر) وأبلغ ما سمعت في الثقيل قول من قال:


حط في الغرب رجله     صعد الشرق إلى السماء



وقول من قال:


وثقيل لقيته في طريقي     يوم عيدي فما سررت بعيدي
قال نسعى إلى المصلى جميعا     قلت: من ههنا أكون يهودي



(وهذه الفوائد) الست (ما سوى الأوليين متعلقة بالمقاصد الدنيوية الحاضرة ولكنها أيضا تتعلق بالدين، فإن الإنسان مهما تأذى برؤية ثقيل لم يلبث أن يغتابه) ويشتمه ويسيء به (وأن يستنكر ما هو صنع الله) الذي أتقن كل شيء (فإذا تأذى من غيره بغيبة أو سوء ظن أو محاسدة أو نميمة أو غيره لم يصبر على مكافأته) أي: مقابلته بمثله (وكل ذلك ينجر إلى الدين وفي العزلة سلامة من جميع ذلك فتفهم) في ذلك لتكون على بصيرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية