إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فلنرجع إلى الغرض الذي كنا نقصده ولنبين .

القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في .

كتاب أسرار الحج ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام .

وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء
والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته .

ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى .

لأن ذلك في المساجد فإنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند الله .

وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات .

والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم .

فإن النظر إلى وجوه العلماء والصلحاء عبادة .

وفيه أيضا حركة للرغبة في الاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وآدابهم هذا سوى ما ينتظر من الفوائد العلمية المستفادة من أنفاسهم وأفعالهم كيف ومجرد زيارة الأخوان في الله فيه فضل كما ذكرناه في .

كتاب الصحبة وفي التوراة سر أربعة أميال زر أخا في الله وأما البقاع فلا معنى لزيارتها سوى المساجد الثلاثة وسوى الثغور للرباط بها فالحديث ظاهر في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة البقاع إلا إلى المساجد الثلاثة .

وقد ذكرنا فضائل الحرمين في كتاب الحج ، وبيت المقدس أيضا له فضل كبير خرج ابن عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوات الخمس ثم كر راجعا من الغد إلى المدينة .

وقد سأل سليمان عليه السلام ربه عز وجل أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك .


(فلنرجع إلى الغرض الذي كنا بصدده ولنبين القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إما الحج) إلى بيت الله الحرام (أو جهاد) في سبيل الله وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في كتاب أسرار الحج فأغنانا عن ذكره ثانيا، (ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء -عليهم السلام- وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء) والشهداء (والأولياء) والصلحاء على اختلاف طبقاتهم، (وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) ، وفي رواية بتقديم المسجد الحرام، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، ورواه أيضا سوى أبي داود من حديث أبي سعيد، ورواه ابن ماجه وحده من حديث ابن عمر، وقد تقدم في أسرار الحج؛ (لأن ذلك في المساجد فإنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء وبين الأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند الله) ، وهنا بحث مشهور للشيخ أبي العباس ابن تيمية تقدم نقله في كتاب الحج والجواب عنه (وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات) وقالوا في المثل: كلب جوال خير من أسد رابض .

(والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء) منهم (و) طلب (بركة النظر إليهم، فإن النظر إلى وجوه العلماء والصالحين) من عباده (عبادة) فإنهم إذا رؤوا ذكر الله، والذكر عبادة (وفيه أيضا حركة للرغبة في الاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وآدابهم هذا سوى ما ينتظر من الفوائد العلمية المستفادة من) بركات (أنفاسهم وأفعالهم كيف ومجرد زيارة الإخوان في الله فيه فضل) وأجر وهو مستحب ومندوب إليه (كما ذكرنا في كتاب الصحبة و) قيل مكتوب (في التوراة) سر ميلا عد مريضا سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة (سر أربعة أميال زر أخا في الله) قال صاحب القوت: وقد رويناه في خبر عن بعض [ ص: 389 ] أهل البيت .

(وأما البقاع فلا معنى لزيارتها سوى المساجد الثلاث وسوى الثغور المرابط بها) في وجه العدو، (فالحديث) المذكور (ظاهر في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة البقاع إلا إلى المساجد الثلاث) وفي القوت: وإن سافر إلى بعض الثغور ناويا رباط أربعين يوما أو ثلاثة أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثا فقد انتابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجل وصفه. روي عن علي -رضي الله عنه- أنه سأل رجلا بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثا ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأبصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان.

(وقد ذكرنا فضائل الحرمين في كتاب الحج، وبيت المقدس أيضا له فضل كبير) ، ولفظ القوت: ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشد الرحال فهو أفضل، أعلاها المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ومسجد بيت المقدس فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه .

(وخرج ابن عمر) رضي الله عنهما (قاصدا إلى بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوات الخمس ثم كر راجعا من الغد إلى المدينة) كذا في القوت (وقد سأل سليمان) - عليه السلام- (ربه -عز وجل- أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه) أي: لا يهمه (إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك) كذا في القوت، قلت: وهذا قد أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عمر ورفعه أن سليمان بن داود -عليهما السلام- لما بنى بيت المقدس سأله خلالا ثلاثا: سأله حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهز إلا للصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه. وأخرجه أحمد كذلك وزاد: فنحن نرجو أن يكون الله -عز وجل- قد أعطاه إياه.

التالي السابق


الخدمات العلمية