إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
القسم الرابع : السفر هربا مما يقدح .

في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر أو ما يجري مجراه .

ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع ، وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد واستحبابه ولكن يستثنى منه الطاعون فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه .

قال أسامة بن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد في الأرض فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به في أرض فلا يقدمن عليه ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه .

وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فناء أمتي بالطعن والطاعون ، فقلت : هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون ? قال غدة كغدة البعير تأخذهم في مراقهم المسلم الميت منه شهيد والمقيم عليه المحتسب كالمرابط في سبيل الله والفار منه كالفار من الزحف .

وعن مكحول عن أم أيمن قالت : أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت أو خوقت وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء هو لك فاخرج منه .

ولا ، تترك الصلاة عمدا فإن من ترك الصلاة عمدا فقد برئت ذمة الله منه وإياك ، والخمر فإنها مفتاح كل شر وإياك ، والمعصية فإنها تسخط الله ولا تفر من الزحف وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت فيهم أنفق من طولك على أهل بيتك ولا ترفع عصاك عنهم أخفهم بالله .

فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه وكذلك القدوم عليه .

وسيأتي شرح ذلك في كتاب التوكل .


(القسم الرابع: السفر هربا مما يقدح في البدن كالطاعون) فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء ذكره الجوهري (أو في المال لغلاء الأسعار وما يجري مجراه، ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع، وربما يستحب في بعض) منها (بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد واستحبابه ولكن يستثنى منه الطاعون فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه) قال أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي الأمير أبو محمد وأبو زيد حب رسول الله وابن حب رسول الله مات بالمدينة سنة أربع وخمسين عن خمس وسبعين سنة، روى له الجماعة (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن هذا الوجع أو) قال: إن هذا (السقم رجز) أي: عذاب وأصله الاضطراب يقال: رجز البعير رجزا إذا تقارب خطوه واضطرب لضعف فيه (عذب الله به بعض الأمم قبلكم) وهم قوم فرعون من بني إسرائيل أمرهم أن يدخلوا الباب سجدا فخالفوا فأرسل الله عليهم ذلك فمات منهم في ساعة سبعون ألفا. وقد ورد التصريح بأنهم من بني إسرائيل في هذا الخبر بعينه كما سيأتي .

(ثم بقي بعد في الأرض فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به في أرض فلا يقدمن عليه ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه) قال الخطابي: أحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض وتسليم، وقال التوربشتي: الله شرع لنا التوقي من المحذور، وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بلغ الحجر منع أصحابه من دخوله، وأما نهيه عن الخروج فلأنه إذا خرج الأصحاء ضاعت المرضى من متعهد والموتى من التجهيز والصلاة عليهم. انتهى .

قال العراقي: هو متفق عليه واللفظ لمسلم انتهى، قلت: ورواه كذلك الترمذي والنسائي وفي لفظ لهما: الطاعون رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها. وقوله: أو عذاب، هكذا هو بالشك، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة من حديث عامر بن سعد بلفظ: إنه رجس سلط على طائفة من بني إسرائيل.

(وقالت عائشة -رضي الله عنها- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن فناء أمتي بالطعن والطاعون، فقلت: هذا الطعن قد عرفناه) وهو أن يطعن بعضهم في الحرب بالرماح (فما الطاعون؟ قال) هو (غدة كغدة البعير) قال الزمخشري في الفائق: الغدة داء يأخذ البعير فترم نكفتاه له فيأخذه شبه الموت، وفي أمثالهم: أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية؟ قاله عامر بن الطفيل عند دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه، (تأخذهم) أي: الآفة (في مراقهم) جمع مرق وهو أسفل البطن مما رق ولان، (المسلم الميت منه شهيد والمقيم عليه المحتسب) وجه الله تعالى أي: طالب الثواب على صبره على خوفه منه وشدته (كالمرابط في سبيل الله) أي: له مثل ثواب الشهيد (والفار منه كالفار من الزحف) ، والفرار من الزحف حين يزحف العدو على المسلمين من غير عذر كبيرة، والفرار من الطاعون وزره مثل وزر ذلك .

قال العراقي: رواه أحمد وابن عبد البر في التمهيد بإسناد جيد. اهـ. قلت: حديث عائشة روي بألفاظ مختلفة، فروى أحمد والبخاري بلفظ: الطاعون كان عذابا بعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد. قاله لها حين سألته عن الطاعون: ما هو؟ وروى أحمد أيضا بسند فيه ثقات: الطاعون غدة [ ص: 392 ] كغدة البعير المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف.

وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في فوائد أبي بكر بن خلاد بسند حسن: الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من الجن، كغدة الإبل تخرج في الآباط والمراق، من مات فيه مات شهيدا، ومن أقام به كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف. وأخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي موسى، وفي الأوسط من حديث ابن عمر: فناء أمتي بالطعن، والطاعون وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة.

(وعن مكحول) أبي عبد الله الدمشقي الفقيه مات سنة بضع عشرة ومائة وروى له مسلم والأربعة (عن أم أيمن) بركة حاضنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي والدة أسامة بن زيد ماتت في خلافة عثمان -رضي الله عنهما- (قالت: أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه) وفي نسخة: بعض أهله (لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت أو خوفت) وفي نسخة: وإن حرقت بالنار، (أطع والديك وإن أمراك أن تخرج عن كل شيء هو لك فاخرج، لا تترك الصلاة عمدا فإن من ترك الصلاة عمدا فقد برئت ذمة الله منه، إياك والخمر) لا تشربه (فإنه مفتاح كل شر، إياك والمعصية فإنها تسخط الله) أي: تغضبه (ولا تفر من الزحف) أي: عند زحف المشركين بالمسلمين (وإن أصاب الناس موتان) بالضم: الموت الكثير الذريع، (وأنت فيهم فاثبت فيهم) أي: لا تنتقل عن موضعك فارا (أنفق من طولك) أي: طاقتك وقدرتك وما طالت به يدك (على أهل بيتك ممن عليك نفقته ولا ترفع عصاك عنهم) لأجل التأديب (أخفهم بالله) .

قال العراقي: رواه البيهقي وقال فيه إرسال. اهـ .

قلت: ومكحول كثير الإرسال مشهور بذلك، ورواه كذلك ابن عساكر في التاريخ وقد رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي الدرداء بلفظ: لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر. وعند الطبراني من حديث أميمة مولاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلفظ: لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت بالنار، ولا تعصين والديك وإن أمراك أن تخلي من أهلك ودنياك فتخله، ولا تشربن خمرا فإنها رأس كل شر، ولا تتركن صلاة متعمدا فمن فعل ذلك برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تفرن يوم الزحف فمن فعل ذلك فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، ولا تزدادن في تخوم أرضك فمن فعل ذلك يأتي به على رقبته يوم القيامة من مقدار سبع أرضين، وأنفق على أهلك من طولك ولا ترفع عصاك عنهم وأخفهم في الله -عز وجل-. وأميمة قيل: هو اسم أم أيمن الحبشية.

وعند أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث معاذ بلفظ: لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن المعصية تحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله.

وعند الطبراني من حديث أبي الدرداء بلفظ: لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت وحرقت، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء حولك فاخرج منه، ولا تترك صلاة مكتوبة عمدا فإن من ترك الصلاة عمدا فقد برئت منه ذمة الله، إياك والخمر فإنها مفتاح كل شر وإياك والمعصية فإنها موجبة سخط الله، ولا تغلل ولا تفر يوم الزحف وإن هلكت وفر أصحابك، وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت، ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أنه لك، وأنفق من طولك على أهل بيتك، ولا ترفع عصاك عنهم أدبا وأخفهم في الله -عز وجل-.

وعند ابن النجار في تاريخه من حديث أبي ريحانة بلفظ: لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت بالنار وأطع والديك وإن أمراك أن تخلي من أهلك ودنياك، ولا تدعن صلاة متعمدا فإن من تركها فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تشربن خمرا، فإنها رأس كل خطيئة، ولا تزدادن في تخوم أرضك فإنك تأتي بها يوم القيامة من مقدار سبع أرضين. والمسمى بأبي ريحانة صحابيان أحدهما الأزدي أو الدوسي الأنصاري وقيل: اسمه سمعون والثاني أبو ريحانة القرشي. وعند الطبراني من حديث عبادة بن الصامت: لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو [ ص: 393 ] حرقتم أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدا فإن من تركها متعمدا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها سخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها، ولا تفروا من الموت وإن كنتم فيه، ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج، ولا تضع عصاك عن أهلك وأنصفهم من نفسك.

(فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه وكذلك القدوم عليه) أما الخروج فلأنه إذا خرج الصحيح ضاع المريض من متعهد وأما الدخول فللتوقي من المحذور (وسيأتي شرح ذلك في كتاب التوكل) إن شاء الله تعالى ذكر هناك أنه إنما نهي عن الخروج كالدخول مع أنه سببه في الطب الهواء، وأظهر طرق التداوي الفرار من الضرر، وترك التوكل في نحوه مباح; لأن الهواء لا يضر من حيث يلاقي ظاهر البدن بل من حيث دوام استنشاقه فإنه إذا كان فيه عفونة وصل إلى الرئة والقلب أثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد استحكام الأثير في الباطن، فالخروج لا يخلص لكنه يوهم الخلاص فيصير من جنس الموهمات كالطيرة إلى آخر ما قال على ما سيأتي تفصيله .

التالي السابق


الخدمات العلمية