إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وحد السفر من جهة البداية والنهاية فيه إشكال فلا بد من معرفته .

والسفر هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص وهو الذي لا يقصد موضعا معينا ولا يصير مسافرا ما لم يفارق عمران البلد ولا يشترط أن يجاوز خراب البلدة وبساتينها التي يخرج أهل البلدة إليها للتنزه .

وأما القرية فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة دون التي ليست بمحوطة .

ولو رجع المسافر إلى البلد لأخذ شيء نسيه لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم يجاوز العمران وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه .


(وحد السفر من جهة البداية [ ص: 429 ] والنهاية فيه إشكال) وغموض، (فلا بد من معرفته، والسفر هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم) لا بد فيه منه (فالهائم) على وجهه لا يدري أين يتوجه وإن طال سفره، (وراكب التعاسيف) وهو الذي يسلك على غير طريق كأنه جمع تعساف مثل التضراب والتقتال والترحال والتفعال مطرد من كل فعل ثلاثي غالبا (ليس له ترخيص وهو الذي لا يقصد موضعا معينا) هو تفسير لراكب التعاسيف بالمعنى، وفي وجه أن الهائم إذا بلغ مسافة القصر له القصر، وهو شاذ منكر، ثم شرع في بيان ابتداء السفر ببيان تفصيل الموضع الذي منه الارتحال، فقال (ولا يصير مسافرا ما لم يفارق عمران البلد) هذا إذا لم يكن للبلد سورا أو كان في غير صوب مقصده، فابتداء سفره بمفارقة العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، والخراب الذي يتخلل العمارات معدود من البلد كالنهر الحائل بين جانبي البلد فلا يترخص بالعبور من جانب إلى جانب .

(ولا يشترط أن يجاوز جدران البلدة) أي: أطرافها إن كانت خربة ولا عمارة وراءها; لأنه ليس بموضع إقامة. هكذا اعتمده المصنف وإليه ذهب صاحب التهذيب، وقال العراقيون والشيخ أبو محمد: لا بد من مجاوزتها، وهذا الخلاف فيما إذا كانت بقايا الحيطان قائمة لم يتخذوا الخراب مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر، فإن لم يكن كذلك لم يشترط مجاورتها بلا خلاف .

(و) كذلك لا يشترط مجاورة (بساتينها) ومزارعها المتصلة بالبلدة (التي قد يخرج أهل البلد إليها للتنزه) وإن كانت محوطة إلا إذا كان فيها قصور ودور سكنها ملاكها بعض فصول السنة فلا بد من مجاورتها حينئذ، وفي وجه من التتمة أنه يشترط مجاورة البساتين والمزارع المضافة إلى البلدة مطلقا، وهو شاذ ضعيف جدا. هذا حكم البلدة التي لا سور لها فإن ارتحل من بلدة لها سور مختص بها فلا بد من مجاورته، وإن كان داخل السور مزارع أو مواضع حربة; لأن جميع داخل السور معدود من نفس البلد محسوب من موضع الإقامة، فإن فارق السور وترخص إن لم يكن خارجه دور متلاصقة أو مقابر فإن كانت فوجهان: الأصح أنه يترخص بمفارقة السور، ولا يشترط مفارقة الدور والمقابر، وبهذا قطع المصنف وكثيرون، والثاني: يشترط مفارقتها وهو موافق لظاهر نص الشافعي -رحمه الله تعالى- هذا حكم البلدة إن كانت مسورة أو غير مسورة .

(وأما القرية) فلها حكم البلدة في جميع ما ذكرناه، (فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة) وكذا المزارع المحوطة (دون التي ليست بمحوطة) هكذا اعتمده المصنف في الوجيز نقلا عن الأصحاب قال الرافعي: وهو شاذ والصواب أنه لا يشترط مجاوزة البساتين ولا المزارع المحوطة وهو الذي اختاره العراقيون، وقال إمام الحرمين: لا يشترط مجاوزة المزارع المحوطة ولا البساتين غير المحوطة ويشترط مجاوزة البساتين المحوطة، وأما المقيم في الصحاري فلا بد له من مجاوزة عرض الوادي نص عليه الشافعي، وأما أهل الخيام فيعتبر مع مجاوزة مرافقها كمطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ومعاطن الإبل فإنها من جملة مواضع إقامتهم، وفي وجه أنه لا يعتبر مفارقة الخيام بل يكفي مفارقة خيمة وهو شاذ .

(ولو رجع المسافر إلى البلد) بعد أن فارق البنيان (لأخذ شيء نسيه) أو لحاجة أخرى فله أحوال:

أحدها: أن لا يكون بهذه البلدة إقامة أصلا فلا يصير مقيما بالرجوع ولا بالحصول فيها، الثاني: أشار إليه بقوله (لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم يجاوز العمران) أي: إن كان ذلك وطنه فليس له الترخص في رجوعه، وإنما يترخص إذا فارقها ثانية، وفي وجه أنه يترخص ذاهبا وهو شاذ منكر، الثالث: أشار إليه بقوله: (وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص) أي: إن لم يكن ذلك وطنه لكنه أقام بها مدة فهل له الترخص في رجوعه، وجهان: أصحهما نعم له الترخص صححه إمام الحرمين والمصنف وقطع به في التتمة (إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه مدة) والوجه الثاني: لا، وقطع به في التهذيب وحيث حكمنا بأنه لا يترخص إذا عاد ولو نوى العود ولم يعد لم يترخص وصار بالنية مقيما، ولا فرق بين حاجتي الرجوع والحصول في البلدة في الترخص وعدمه هذا محله إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن مسافة القصر، فإن كانت فهو مسافر مستأنف فيترخص .

التالي السابق


الخدمات العلمية