إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقد روي ، أن الوليد بن عبد الملك قال لحاجبه يوما قف على الباب فإذا مر بك رجل فأدخله علي ليحدثني .

فوقف الحاجب على الباب مدة ، فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعرفه ، فقال له: يا شيخ ادخل إلى أمير المؤمنين فإنه أمر بذلك فدخل عطاء على الوليد وعنده عمر بن عبد العزيز فلما دنا عطاء من الوليد قال : السلام عليك يا وليد قال ، فغضب الوليد على حاجبه وقال له: ويلك أمرتك أن تدخل إلي رجلا يحدثني ويسامرني ، فأدخلت إلي رجلا لم يرض أن يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي .

فقال له حاجبه : ما مر بي أحد غيره ثم قال لعطاء : اجلس ثم أقبل عليه يحدثه فكان فيما حدثه به عطاء أن قال له : بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه .

فصعق الوليد من قوله وكان جالسا بين يدي عتبة باب المجلس فوقع على قفاه إلى جوف المجلس مغشيا عليه ، فقال عمر لعطاء قتلت أمير المؤمنين .

فقبض عطاء على ذراع عمر بن عبد العزيز فغمزه غمزة شديدة وقال له : يا عمر إن الأمر جد فجد ثم قام عطاء وانصرف .

فبلغنا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال : مكثت سنة أجد ألم غمزته في ذراعي .

وكان ابن أبي شميلة يوصف بالعقل والأدب فدخل على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك : تكلم قال : بم أتكلم؟ وقد علمت أن كل كلام تكلم به المتكلم عليه وبال إلا ما كان لله فبكى ، عبد الملك ثم قال يرحمك : الله لم يزل الناس يتواعظون ويتواصون فقال الرجل يا أمير المؤمنين : إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكى ، عبد الملك ثم قال : لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما عشت ويروى عن ابن عائشة أن الحجاج دعا بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة ، فدخلنا عليه ودخل الحسن البصري رحمه الله آخر من دخل ، فقال الحجاج مرحبا بأبي سعيد إلي إلي ثم دعا بكرسي فوضع إلى جنب سريره فقعد عليه ، فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا ، إذ ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فنال منه ونلنا منه مقاربة له وفرقا من شره ، والحسن ساكت عاض على إبهامه فقال يا أبا سعيد ما لي أراك ساكتا ؟ قال : ما عسيت أن أقول ؟ قال : أخبرني برأيك في أبي تراب قال : سمعت الله جل ذكره يقول : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ، فعلي ممن هدى الله من أهل الإيمان فأقول ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأحب الناس إليه وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه ، ولا يحول بينه وبينها وأقول : إن كانت لعلي هناة فالله حسبه ، والله ما أجد فيه قولا أعدل من هذا .

فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا فدخل بيتا خلفه وخرجنا .

قال عامر الشعبي فأخذت بيد الحسن فقلت : يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره فقال إليك عني يا عامر يقول الناس : عامر الشعبي عالم أهل الكوفة.

أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه ، ويحك يا عامر هلا اتقيت إن سئلت فصدقت أو ، سكت فسلمت ، قال عامر : يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها ، قال الحسن : فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة .

قال وبعث الحجاج إلى الحسن ، فلما دخل عليه قال : أنت الذي تقول : قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم ، قال نعم قال ما حملك على هذا قال : ما أخذ الله على العلماء من المواثيق ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال يا حسن أمسك عليك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك .


(وروي أن الوليد بن عبد الملك) بن مروان الأموي (قال لحاجبه يوما قف على الباب فإذا مر بك رجل عليه سمت حسن فأدخله علي ليحدثني، فوقف الحاجب على الباب مدة، فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعرفه، فقال له: يا شيخ ادخل على أمير المؤمنين فإنه أمر بذلك فدخل عطاء على [ ص: 69 ] الوليد وعنده عمر بن عبد العزيز) ابن عمه، (فلما دنا عطاء من الوليد قال: السلام عليك يا وليد، فغضب الوليد على حاجبه فقال له: ويلك أمرتك أن تدخل إلي رجلا يحدثني ويسامرني، فأدخلت إلي رجلا لم يرض أن يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي) وهو أمير المؤمنين، (فقال له حاجبه: ما مر بي أحد غيره ثم قال لعطاء: اجلس) فجلس، (ثم أقبل عليه يحدثه فكان فيما حدثه عطاء أن قال: بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه) ولفظ ابن الأثير في النهاية يسكنه الجبارون (فصعق الوليد من قوله وكان جالسا بين يدي عتبة باب المجلس فوقع إلى قفاه إلى جوف المجلس مغشيا عليه، فقال عمر) بن عبد العزيز لعطاء: (قتلت أمير المؤمنين، فقبض عطاء على ذراع عمر بن عبد العزيز فغمزه غمزة شديدة وقال: يا عمر إن الأمر جد فجد) أي اجتهد، (ثم قام عطاء وانصرف) قال الراوي: (فبلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: مكثت سنة أجد ألم غمزته في ذراعي) .

أخرجه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء (وكان ابن أبي شميلة يوصف بالعقل والأدب) وكان من فصحاء زمانه، (فدخل على عبد الملك بن مروان فقال له: تكلم، فقال: بم أتكلم؟ وقد علمت أن كل كلام تكلم به المتكلم عليه وبال إلا ما كان لله، فبكى عبد الملك) لقوله (ثم قال: رحمك الله ما زال الناس يتواعظون ويتواصون) أي يعظ بعضهم بعضا، ويوصي بعضهم بعضا (فقال يا أمير المؤمنين: إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه، فبكى عبد الملك ثم قال: لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما دمت حيا) ، وهذا قد أورده المصنف في كتاب الحلال والحرام .

(ويروى عن ابن عائشة) وهو عبيد الله بن محمد التيمي القرشي تقدم ذكره قريبا (أن الحجاج) بن يوسف (دعا بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة، فدخلنا عليه) وفي نسخة فدخلوا عليه، (ودخل الحسن) بن يسار (البصري آخر من دخل، فقال الحجاج) له: (مرحبا بأبي سعيد إلي إلي ثم دعا بكرسي فوضع إلى جنب سريره فقعد عليه، فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا، إذ ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فنال منه) أي تكلم بسوء، (ونلنا منه مقاربة له) أي تقربا إليه بموافقته في رأيه، (وفرقا) أي خوفا (من شره، والحسن ساكت عاض على إبهامه فقال) الحجاج: (يا أبا سعيد ما لي أراك ساكتا؟ قال: ما عسيت أن أقول؟ قال: أخبرني برأيك في أبي تراب) هي كنية علي رضي الله عنه كناه بها النبي صلى الله عليه وسلم، (قال: سمعت الله جل ذكره يقول: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ، فعلي ممن هدى الله من أهل الإيمان فأقول ابن عم رسول الله وختنه على ابنته) فاطمة الزهراء رضي الله عنها، (وأحب الناس إليه وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد غيرك من الناس أن يحظرها) أي يمنعها (عليه، ولا يحول بينه وبينها فأقول: إن كانت لعلي) رضي الله عنه (هناة، والله حسيبه، والله ما أجد فيه قولا أعدل من هذا، فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير [ ص: 70 ] مغضبا فدخل بيتا خلفه وخرجنا، قال عامر) بن شراحيل (الشعبي) وكان من جملة من حضر ذلك المجلس (فأخذت بيد الحسن فقلت: يا أبا سعيد) لقد (أغضبت الأمير وأوغرت صدره) أي أدخلت فيه وغرا وهو شدة الحر (قال) الحسن: (إليك عني يا عامر يقول الناس: عامر الشعبي عالم أهل الكوفة) ، وفي نسخة فقيه أهل الكوفة (أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه، ويحك يا عامر هلا اتقيت إن سئلت فصدقت، وإن سكت فسلمت، قال عامر: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، قال الحسن: فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة .

قال) ابن عائشة في رواية أخرى (وبعث الحجاج إلى الحسن، فلما دخل عليه قال: أنت تقول: قاتلهم الله قاتلوا عباد الله على الدينار والدرهم، قال) الحسن: (نعم) أنا قلت (قال) الحجاج: (ما حملك على هذا) القول، (قال: ما أخذ الله على العلماء من المواثيق) والعهود (ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال) الحجاج: (يا حسن أمسك عليك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك) ، وسيأتي للمصنف بأبسط من ذلك في أواخر كتاب ذم الجاه وحب المال، وأتم مما هنا فراجعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية