إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وعن أبي العباس الهاشمي عن صالح بن المأمون قال : دخلت على الحارث المحاسبي رحمه الله فقلت له : يا أبا عبد الله هل حاسبت نفسك ، فقال: كان هذا مرة قلت له: فاليوم؟ قال: أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأضن بها أن تسمعها نفسي ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها .

ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علي ، ثم قعد بين يدي فقلت له : من أنت فقال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك ؟ قال قلت له : كتمان المصائب واستجلاب الفوائد قال فصاح وقال : ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته ، قال الحارث : فأردت أن أزيد عليه فقلت له : أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم فمن أين تعرفهم ، قال : فصاح صيحة غشي عليه منها فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه فعلمت إزالة عقله فأخرجت له .

ثوبا جديدا وقلت له : هذا كفني قد آثرتك به فاغتسل وأعد صلاتك فقال هات الماء فاغتسل وصلى ثم التحف بالثوب وخرج ، فقلت له : أين تريد فقال لي : قم معي فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون فسلم عليه وقال : يا ظالم أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم أستغفر الله من تقصيري فيك ، أما تتقي الله تعالى فيما قد ملكك ، وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب ، فأقبل عليه المأمون وقال : من أنت قال : أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظا فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم قال : فأمر بضرب عنقه فأخرج ، وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي هذا فليأخذه ، قال الحارث : فاختبأت عنه فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا أعلمهم بحاله .

فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى ، فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف لم أر أحسن منهن ، وهو يقول : يا حارث أنت والله من الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ويطيعون ربهم ، قلت : وما فعلوا ، قال : الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ركبان فقلت : من أنتم قالوا الكاتمون أحوالهم : حرك هذا الفتى كلامك له فلم يكن في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر والنهي وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب لعبده .

وعن أحمد بن إبراهيم المقري قال كان أبو الحسين النوري رجلا قليل الفضول لا يسأل عما لا يعنيه ولا يفتش عما لا يحتاج إليه وكان إذا رأى منكرا غيره ولو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر للصلاة إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه، وأنكره، لأنه لم يعلم في التجارات ولا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف .

فقال للملاح إيش في هذه الدنان قال : وإيش عليك امض في شغلك ، فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا إلى معرفته فقال : أحب أن تخبرني إيش في هذه الدنان قال : وإيش عليك أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد يريد أن يتمم به مجلسه ، فقال النوري وهذا خمر قال : نعم فقال : أحب أن تعطيني ذلك المدري فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه : أعطه حتى أنظر ما يصنع، فلما صارت المدرى في يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها دنا دنا حتى أتى على آخرها إلا دنا واحدا والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ولم يشك الناس في أنه سيقتله ، قال أبو الحسين فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي حديد وبيده عمود يقلبه فلما رآني قال : من أنت ؟ قلت : محتسب قال ومن : ولاك الحسبة؟ قلت : الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين قال : فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقلت : شفقة مني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه .

قال : فأطرق مفكرا في كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال : كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان فقلت ؟ : في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال : هات خبرني فقلت : يا أمير المؤمنين إني أقبلت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فاستشعرت نفسي كبرا على أني أقدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال ، فقال المعتضد : اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن تغيره من المنكر .

قال أبو الحسين فقلت: يا أمير المؤمنين بغض إلي التغيير لأني كنت أغير عن الله تعالى وأنا الآن أغير عن شرطي ، فقال المعتضد : ما حاجتك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالما فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفا من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد ثم رجع إلى بغداد .


(وعن أبي العباس الهاشمي من ولد صالح بن المأمون) العباسي (قال: دخلت على الحارث) بن أسد (المحاسبي رحمه الله تعالى فقلت له: يا أبا عبد الله هل حاسبت نفسك، فقال: كان هذا مرة قلت له: فاليوم قال: أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأضن بها) أي أبخل (أن تسمعها نفسي ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ولقد كنت ليلة) من الليالي (قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علي، ثم قعد بين يدي فقلت له: من أنت قال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك؟ قال قلت: كتمان المصائب) عن الغير (واستجلاب الفوائد) من السير (قال فصاح وقال: ما علمت أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صنعته، قال الحارث: فأردت أن أزيد عليه فقلت له: أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم فمن أين تعرفهم، قال: فصاح صيحة غشي عليه) منها، (فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه فعلمت إزالة عقله فأخرجت له ثوبا جديدا وقلت: إن هذا لكفني قد آثرتك به فاغتسل) والبس هذا الثوب، (وأعد صلواتك) التي ذهبت عليك، (فقال هات الماء) فأتيته بالماء (فاغتسل وصلى ثم التحف بالثوب وخرج، فقلت له: أين تريد فقال: قم معي فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون) وهو يومئذ خليفة (فسلم عليه، فقال: يا ظالم أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم استغفر الله من تقصير فيك، أما تتقي الله تعالى فيما قد ملكك، وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب، فأقبل عليه المأمون وقال: من أنت قال: أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي حظا فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم) يعني به الشهادة على قول الحق (قال: فأمر بضرب عنقه فأخرج، وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي [ ص: 87 ] هذا فليأخذه، قال الحارث: فاختبأت عنه فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا أعلمهم بحاله) قال: (فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى، فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف) أي الجواري (لم أر أحسن منهن، وهو يقول: يا حارث أتيت والله الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ويطيعون ربهم، قلت: وما فعلوا، قال: الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ركبان فقلت: من أنتم قالوا:) الكاتمون أحوالهم (حرك هذا) الفتى (كلامك له فلم يكن في قلبه) مما وصفت شيء، (فخرج للأمر والنهي وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب لعبده .

وعن أحمد بن إبراهيم المقري قال كان أبو الحسين) أحمد بن محمد (النوري) رحمه الله تعالى تقدمت ترجمته (رجلا قليل الفضول) في الكلام (لا يسأل) أحدا (عما لا يعنيه) أي لا يهمه (ولا يفتش عما لا يحتاج إليه وكان إذا رأى منكرا غيره ولو كان فيه تلفه) أي هلاكه، (فنزل ذات يوم إلى مشرعة) أي مورد من موارد الدجلة (تعرف بمشرعة الفحامين) يتطهر للصلاة (إذ رأى زورقا) أي سفينة صغيرة، (وفيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار) وهو الزفت الذي تطلى به السفن (لطف فقرأه، وأنكره، لأنه لم يعرف في التجارات ولا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف فقال للملاح) وهو خادم السفينة (إيش) أي أي شيء (في هذه الدنان قال: وإيش عليك امض في شغلك، فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا) أي شوقا (إلى معرفته فقال له: أحب أن تخبرني إيش في هذه الدنان قال: وإيش عليك أنت والله صوفي فضولي) تتكلم فيما لا يعنيك (هذا خمر للمعتضد) بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد وهو السادس عشر من الخلفاء بويع له سنة خمس وأربعين ومائتين ومات سنة تسع وثمانين ومائتين عن سبع وأربعين سنة (يريد أن يتمم به مجلسه، فقال النوري) للملاح: (وهذا خمر قال: نعم قال: أحب أن تعطيني ذلك المدرى) وهو بالكسر المجداف (فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه: أعطه المدرى حتى أنظر ما يصنع فلما صار المدرى في يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها) أي تلك الدنان (حتى أتى على آخرها إلا دنا واحدا والملاح يستغيث) ويصيح (إلى أن ركب صاحب الجسر) وهو الحاكم المولى من طرف الخليفة (وهو يومئذ ابن بشر أفلح) كذا في النسخ، وفي بعضها مؤنس الأفلح وفي أخرى يونس، (فقبض على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد وكان المعتضد) صعبا (سيفه قبل كلامه ولم يشك الناس أنه سيقتله، قال أبو الحسين) النوري: (فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي من حديد وبيده عمود يقلبه فلما رآني قال: من أنت؟ قلت: محتسب قال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين قال: فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقلت: شفقة مني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه) وفي نسخة قد قصرت عنه (قال: فأطرق مفكرا في كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال: كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ قلت: في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن لي قال: هات أخبرني فقلت: يا أمير المؤمنين إني أقدمت على الدنان بمطالبة [ ص: 88 ] الحق سبحانه لي بذلك وغمر قلبي شاهد جلال الحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فعجزت) وفي بعض النسخ فاستشعرت (نفسي كبرا على أني أقدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأولى وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال، فقال المعتضد: اذهب فقد أطلقنا يدك) وأذنا لك (غير ما أحببت أن تغيره من المنكر، قال أبو الحسين) النوري: (يا أمير المؤمنين بغض التغيير إلي لأني كنت أغير عن الله تعالى وأنا الآن أغير شرطيا، فقال المعتضد: ما حاجتك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي) من المدينة (سالما) في نفسي، (فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفا أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد) سنة 289 (ثم رجع النوري إلى بغداد) ولم يزل بها إلى أن مات سنة 295 رحمه الله تعالى .

اعلم أن مواعظ الخلفاء والملوك كثيرة قد ذكر المصنف بعضها في كتاب الحلال والحرام كقصة سليمان بن عبد الملك مع أبي حازم حين دخل المدينة وغيرها وقد جمع منها حافظ الدنيا أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب مستقل سماه مواعظ الخلفاء، وكذلك ابن الجوزي في كتاب سماه المصباح المضيء، ومن طالع كتاب الحلية لأبي نعيم الحافظ وجد منها شيئا كثيرا وقد انتخبت بعض حكايات من منهاج القاصدين لابن الجوزي.

* فمنها قال سعيد بن عامر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني موصيك بكلمات من جوامع الإسلام ومعالمه: اخش الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، ولا يخالف قولك فعلك فإن خير القول ما صدقه الفعل، وأحب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، ولا تخف في الله لومة لائم، ثم قال عمر: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل الذي ركب في عنقك.

* ومنها قال قتادة: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومعه الجارود فإذا امرأة بارزة على ظهر الطريق فسلم عليها فردت عليه أو سلمت عليه فرد السلام فقالت: هيه يا عمر أعرفك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر فقال الجارود: هيه قد اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته فقال عمر: دعها أما تعرف هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يستمع كلامها.

ومنها دخل فتى من الأزد على معاوية فقال: اتق الله يا معاوية واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك، وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا، وعلى أثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علم لا تجوزه، فما أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك أن يلحقك الطالب، وأنا وما نحن فيه وأنت زائل والذي صائرون إليه باق، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

ومنها قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني فقال: انضجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.

ومنها وقال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم، وكم من قوم غرهم منها مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت، فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين ولم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا جنة، واقتسم ما أجمعوا من لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن محقون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأحوال التي نغبطهم بها فنخلفهم فيها، وإلى الأعمال التي نتخوف عليهم فيها فنكف عنها، فاتق وافتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم ورد الظالم، ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله عز وجل: إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.

التالي السابق


الخدمات العلمية