إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ، ولا درهم وإن ، فضل شيء ولم يجد من يعطيه ، وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط ، من أيسر ما يجد من التمر والشعير ، ويضع سائر ذلك في سبيل الله لا يسأل شيئا إلا أعطاه ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى أنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم معهن وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد .


(و) كان - صلى الله عليه وسلم- (أسخى الناس) ، أي أكثرهم سخاء ، قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس "فضلت على الناس بأربع: بالسخاء والشجاعة ...الحديث". ورجاله ثقات ، وقال صاحب الميزان: إنه منكر ، وفي الصحيحين من حديثه كان - صلى الله عليه وسلم- أجود الناس ، واتفقا عليه من حديث ابن عباس، وقد تقدم في الزكاة اهـ .

قلت: حديث أنس تقدم ، وفي حديث آخر سنده ضعيف : " أنا أجود بني آدم "، وهو بلا ريب أجودهم مطلقا ، كما أنه أكملهم في سائر الأوصاف، ولأن جوده لله تعالى في إظهار دينه، بل كان بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال ، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه ، وهداية عباده ، وإيصال النفع إليهم بكل الطرق من إطعام جائعهم ، ووعظ جاهلهم ، وقضاء حوائجهم ، وتحمل أثقالهم ، وكان جوده - صلى الله عليه وسلم- كله لله تعالى ، وفي ابتغاء مرضاته ، (لا يبيت عنده دينار ، ولا درهم قط ، فإن فضل) ، أي بقي شيء (ولم يجد من يعطيه ، وفجأه الليل) ، أي أتاه فجأة ، (لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه) .

قال العراقي : رواه أبو داود من حديث بلال في حديث طويل ، فيه أهدى صاحب فدك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- أربع قلائص ، وكانت عليهن كسوة ، وطعام ، وبيع بلال لذلك ، ووفى دينه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعد في المسجد وحده ، وفيه قال: فضل شيء ، قلت: نعم ، ديناران ، قال انظر أن تريحني منهما ، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما ، فلم يأتنا أحد ، فبات في المسجد حتى أصبح ، وظل بالمسجد اليوم الثاني حتى إذا كان في آخر النهار جاءه راكبان ، فانطلقت بهما ، فكسوتهما ، وأطعمتهما حتى إذا صلى العتمة دعاني ، قلت: ما فعل الذي [ ص: 98 ] قبلك ، فقال قد أراحك الله منه، فكبر وحمد الله; شفقة من أن يدركه الموت وعنده ذلك ، ثم اتبعه حتى جاء أزواجه"، الحديث، وللبخاري من حديث عقبة بن الحارث : "ذكرت وأنا في الصلاة تبرا، فكرهت أن يمسي ويبيت عندنا، فأمرت بقسمته".

ولابن عبيد في غريبه من حديث الحسن بن محمد مرسلا: " كان لا يقبل مالا عنده ولا يبيته".

(ولم يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع باقي ذلك في سبيل الله) .

قال العراقي : متفق عليه بنحوه من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدم في الزكاة اهـ .

ولا تعارض بينه وبين ما روي عنه، أنه - صلى الله عليه وسلم- "كان لا يدخر لهم قوت سنة على أنه مع ذلك كان تنوبه أشياء يخرج منها ما ادخر لهم فلا تنافي بين ادخاره ومضي الزمن الطويل عليه، وليس عنده شيء له ولا لهم"، ويشير إلى ذلك سياق المصنف فيما بعد ،حيث قال: (لا يسأل شيئا إلا أعطاه) .

قال العراقي : رواه الطيالسي والدارمي من حديث سهل بن سعد، وللبخاري من حديثه "أن الرجل الذي سأله الشملة ، فقال له القوم: سألته إياها ، وقد علمت أنه لا يرد سائلا". الحديث .

ولمسلم من حديث أنس "ما سئل على الإسلام شيئا إلا أعطاه"، وفي الصحيحين من حديث جابر "ما سئل شيئا فقال لا ،اهـ .

قلت: ورواه الحاكم من حديث أنس بلفظ لا يسأل شيئا إلا أعطاه ، أو سكت ، ولله در القائل ، حيث يقول يمدحه - صلى الله عليه وسلم- :


ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم

وروى أحمد من حديث ابن أسيد الساعدي "كان لا يمنع شيئا يسأله ، وكان - صلى الله عليه وسلم- يؤثر على نفسه وأولاده ، فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك"، كما سيأتي للمصنف تفصيله ، ومن ذلك مما لم يذكره "جاءته امرأة يوم حنين أنشدته شعرا ، تذكره أيام رضاعه في هوازن ، فرد عليهم ما قيمته خمسمائة ألف"، قال ابن دحية ، وهذا نهاية الجود ، الذي لم يسمع بمثله .

(ثم يعود على قوت عامه) الذي ادخره لعياله ، (فيؤثر منه) على نفسه وعياله ، (حتى لربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأتيه شيء) ، قال العراقي : هذا معلوم ، ويدل عليه ما رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والنسائي من حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم- توفي ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام ، أخذه لأهله" ، وقال ابن ماجه : بثلاثين صاعا من شعير ، وإسناده جيد ، وللبخاري من حديث عائشة : "توفي ودرعه مرهونة عند يهودي اهـ .

قلت: هذا اليهودي هو أبو الشحم ، والجمع بين الروايتين أنه أخذ منه أولا عشرين ، ثم عشرة ، ثم رهنه إياها على الجميع ، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الأخرى، ومن روى الثلاثين حفظها، على أن روايتها أصح وأشهر ، فكانت أولى بالاعتبار ، وهذا يدل على غاية تواضعه - صلى الله عليه وسلم- إذ لو سأل مياسير أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك ، فإذا ترك سؤالهم ، وسأل يهوديا ، ولم يبال بأن منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك ، فدل على غاية تواضعه ، وعدم نظره لحقوق مرتبته ، وفيه دليل على ضيق عيشه - صلى الله عليه وسلم- لكن عن اختيار لا عن اضطرار; لأن الله ـ تعالى ـ فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى ، وأخرجها كلها في سبيل الله ، وصبر هو وأهل بيته على مر الفقر والضيق والحاجة التامة ، (وكان) - صلى الله عليه وسلم- (يخصف النعل) ، أي يصلحها بترقيع وخرز ، (ويرقع الثوب) ، أي يضع لما وهى منه رقعة أخرى يخيطها به ، (ويخدم في مهنة أهله) المهنة بالكسر وأنكرها الأصمعي، وقال: الكلام بالفتح يقال: هو في مهنة أهله ، أي في خدمتهم ، وخرج في ثياب مهنته ، أي في ثياب خدمته التي يلبسها في أشغاله وتصرفاته .

وقال العراقي : رواه أحمد من حديث عائشة ، "كان يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ويعمل في بيته ، كما يعمل أحدكم في بيته" ورجاله رجال الصحيح ، ورواه أبو الشيخ بلفظ : ويرقع الثوب ، وللبخاري من حديث عائشة "كان يكون في مهنة أهله اهـ .

قلت: وروى الترمذي في الشمائل كان يفلي ثوبه ، أي يلقط ما فيه من القمل ونحوه وظاهر ذلك أن نحو القمل كان يؤذي بدنه الشريف ، إلا أن يقال لا يلزم من التفلية وجوده بالفعل ، ونقل ابن سبع أنه لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له ، وروى أبو نعيم في الحلية من [ ص: 99 ] حديث عائشة كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، (ويقطع اللحم معهن) .

قال العراقي : رواه أحمد من حديث عائشة "أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا ، فأمسكت ، وقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو قالت فأمسكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقطعنا" .

وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أثناء حديث "وايم الله ما من الثلاثين والمائة إلا حز له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حزة من سواد بطنها"، (وكان) -صلى الله عليه وسلم- من (أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد) .

قال العراقي : رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري قال: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها" اهـ .

قلت: ورواه كذلك الترمذي في الشمائل، والعذراء: البكر; لأن عذرتها ، وهي جلدة بكارتها باقية، والخدر بالكسر ستر يجعل لها في جنب البيت ، تكون فيه وحدها ، حتى عن النساء ، وهي فيه أشد حياء منها خارجه ، إذ الخلوة مظنة وقوع الفعل بها ، فعلم أن المراد الحالة التي تعتريها عند دخول أحد عليها فيه ، لا التي تكون عليها حين انفرادها ، أو اجتماعها بمثلها فيه ، وفيه شأن عظيم في حيائه - صلى الله عليه وسلم- ، وأن الحياء من الأوصاف المحمودة المطلوبة المرغب فيها ، وقد جمع له - صلى الله عليه وسلم- الغريزي والمكتسب ، الذي هو مناط التكليف ، فكان في الغريزي أشد حياء من البكر في خدرها ، ومن ذلك ما روي أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية