إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأخبر صلى الله عليه وسلم بالغيوب وأنذر عثمان بأن تصيبه بلوى بعدها الجنة وبأن عمارا تقتله الفئة الباغية .


(و) من معجزاته أنه (أخبر صلى الله عليه وسلم بالغيوب) جمع غيب ، وهو كل ما غاب عن الحس ، ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم .

(و) جملة ذلك (أنذر أن عثمان) بن عفان (رضي الله عنه تصيبه بلوى بعدها الجنة) قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري اهـ .

قلت : أخرجاه من طريق أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى قال : "كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - في حائط من تلك الحوائط ، إذ جاء رجل فاستفتح الباب ، فقال : افتح له ، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ، فإذا هو عثمان ، فأخبرته ، فقال : والله المستعان " ، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن معمر : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان في حش من حشان المدينة ، فاستأذن رجل خفيض الصوت ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ، فأذنت له وبشرته ، فإذا هو عثمان ، فقرب يحمد الله حتى جلس " .

وروى أيضا من طريق قتادة ، عن أبي الحجاج ، عن أبي موسى قال : "جاء رجل فاستأذن مرة فقال : ائذن له وبشره بالجنة في بلوى فقال عثمان : أسأل الله صبرا " .

(و) من جملة ذلك أنذر (بأن عمارا) هو ابن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي ، يكنى أبا اليقظان ، وأمه سمية بنت خياط ، وكانت أمة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي ، وكان أبوه ياسر قدم من اليمن إلى مكة فحالف أبا حذيفة وزوجه مولاته سمية ، فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة ، وكان سلمة بن الأزرق أخاه لأمه ، أسلم بمكة قديما هو وأبوه وأمه ، وكانوا ممن يعذب في الله ، فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم - وهم يعذبون ، فقال : "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة " .

(تقتله الفئة الباغية) قال القاضي في شرح المصابيح : يريد به معاوية وقومه اهـ .

وأما قول بعضهم المراد أهل مكة الذين عذبوه أول الإسلام ، فقد تعقبوه بالرد ، قال القرطبي ، هذا الحديث من أثبت الأحاديث ولما لم يقدر معاوية على إنكاره ، قال : إنما قتله من أخرجه ، فأجابه علي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا قتل حمزة حين أخرجه ، قال ابن دحية : وهذا إلزام مفحم لا جواب عنه ، وحجة لا اعتراض عليها .

وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة : أجمع فقهاء الحجاز والعراق ، وأهل الحديث والرأي ، والمتكلمون ، وسائر أهل العلم ، أن عليا رضي الله عنه - مصيب في قتاله لأهل صفين ، وأهل الجمل ، وإن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، لكنهم لا يكفرون ، وبمثل هذا قال الإمام أبو منصور الماتريدي في كتاب الفرق .

قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي قتادة ، وأم سلمة والبخاري من حديث أبي سعيد ، اهـ .

قلت : ورواه كذلك أحمد وابن حبان في الصحيح ، ولفظهم : "كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم - فجعل ينفض التراب عنه ، ويقول : ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " .

قال السيوطي في الخصائص : هذا متواتر ، رواه من الصحابة بضعة عشر ، ويروى : "ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية " ، رواه هكذا أبو يعلى والبزار والحاكم عن حذيفة ، وابن مسعود معا .

ورواه أبو يعلى أيضا من حديث أبي هريرة ، ورواه ابن عساكر من حديث أم سلمة ، ورواه الخطيب من حديث عمرو بن العاص ، ويروى : "عمار تقتله الفئة الباغية " رواه هكذا أبو نعيم في الحلية والخطيب من حديث أبي قتادة ، ورواه الطبراني أيضا لكن بزيادة الناكبة عن الحق ، ويروى من حديث أبي أيوب : "تقتل عمارا الفئة الباغية " .

وأخرج ابن سعد في الطبقات من طريق عمارة بن خزيمة بن ثابت ، قال : "شهد خزيمة الجمل وهو لا يسل سيفا ، وشهد صفين وقال : أنا لا أضل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول : تقتله الفئة الباغية ، قال : فلما قتل عمار قال خزيمة : قد بانت إلي الضلالة ، ثم اقترب فقاتل حتى قتل ، وكان الذي قتل عمارا أبا خاوية المزني طعنه برمح فسقط ، وكان يومئذ يقاتل في محفة فقتل يومئذ وهو ابن أربع وتسعين سنة ، ودفن هنالك " .

(تنبيه)

وجد بخط الحافظ ابن رجب الحنبلي ما نصه : ليس في أكثر نسخ البخاري من حديث أبي سعيد تقتله الفئة الباغية [ ص: 179 ] وإنما وجد في بعض النسخ ، ووجد بخط الحافظ ابن حجر تحته ، قلت : وليس هو في روايتنا والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية