إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء ; هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه .

وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم ، وقلوبهم منها مطهرة ، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة ، وذلك مكيدة من الشيطان بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها فكما أن المشي على الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم ، فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب ، بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة .

قال : عيسى عليه السلام : بحق أقول لكم : كما ينظر المريض إلى الطعام ، فلا يلتذ به من شدة الوجع ، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا وبحق . أقول لكم : إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعب ويتغير خلقها ; كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ونصب العبادة تقسو وتغلظ وبحق أقول لكم : إن ألزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء للعسل كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات ، أو يدنسها الطمع ، أو يقسيها النعيم ، فسوف تكون أوعية للحكمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما بقي : من الدنيا بلاء وفتنة وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله ، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله .

مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته ، بالإضافة لما سبق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي متعلقا بخيط في آخره ، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع .


(مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها) ، والتبعة: وزان كلمة واحدة التبعات، اسم لما يتبعه من ظلامة، ونحوها (قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء; هل يستطيع الماشي في الماء أن لا تبتل قدماه؟) .

قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي من طريقه في الشعب. رواية الحسين قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره، ووصله البيهقي في الشعب، وقال في الزهد: من رواية الحسن، عن أنس. انتهى .

قلت: لفظ البيهقي: في الشعب: هل من أحد يمشي على الماء إلا ابتلت قدماه; كذلك صاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب، وهو استثناء من أعم عام الأحوال، تقديره: هل يمشي في حال من الأحوال إلا في حال ابتلال قدميه.

(وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم، وقلوبهم عنها مطهرة، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة، وذلك مكيدة من الشيطان) ألقاها على قلوبهم، [ ص: 111 ] فأعمى بصائرهم (بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها) وإزوائها عنهم (فكان المشي في الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم، فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب، بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة، قال: عيسى - عليه السلام -: بحق أقول لكم: كما ينظر المريض إلى الطعام، فلا يلتذ به من شدة الجوع، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا .

بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن) ، أي: تذلل (لصعبت وتغير خلقها; كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ونصب العبادة) ، أي: تعبها، ورياضتها (تقسو وتغلظ) ، فلا ينجح فيها الموعظة (وبحق أقول لكم: إن ألزق ما لم ينخرق أو يقحل) ، أي: ييبس (يوشك أن يكون وعاء للعسل) الذي هو أشرف المطعومات، (كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات، أو يدنسها الطمع، أو يقسيها النعيم، فسوف تكون أوعية للحكمة) كذا في القوت .

وروى أبو نعيم في الحلية، عن مالك بن دينار، قال: إن البدن إذا سقم لم ينجع فيه طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة، وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم ينجع فيه الموعظة، وقال أيضا: إن القلب المحب لله - عز وجل - يحب النصب في الله - عز وجل .

(وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: إن ما يغني من الدنيا بلاء وفتنة .

إنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله)
.

قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث معاوية فرقه في موضعين، ورجاله ثقات. انتهى .

قلت: رواه أبو نعيم في الحلية، فقال: حدثنا مخلد بن جعفر، وحدثنا جعفر الفريابي، حدثنا هشام بن حماد، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، حدثنا أبو عبد رب، سمعت معاوية على منبر دمشق يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة، وإنما العمل كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله ، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله.

قال أبو نعيم: رواه الوليد بن مسلم، عن جابر مثله .

لم يروه عن معاوية إلا أبو عبد رب.

(مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته، بالإضافة إلى ما سبق، قال أنس) - رضي الله عنه -: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي معلقا) ، وفي رواية: متعلقا (بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع) فهذا مثل ضربه على نقضها، وسرعة زوالها .

قال ابن القيم: ويوضح هذا المثل ما رواه أحمد من حديث أبي سعيد: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر نهارا، ثم قام، فخطبنا، فلم يترك شيئا قبل قيام الساعة إلا أخبر به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وجعل الناس يلتفتون إلى الشمس هل بقي منها شيء؟ فقال: ألا إنه لم يبق من الدنيا، فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه .

قال العراقي: رواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف .

قلت: قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن يزيد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا فضيل بن أبان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الدنيا والآخرة كمثل ثوب شق من أوله إلى آخره، فتعلق بخيط منها، فما لبث ذلك الخيط أن ينقطع،قال: غريب من حديث الفضيل، لم نكتبه إلا من حديث إبراهيم، وأبان بن أبي عياش لم تصح صحبته لأنس; لأنه كان لهجا بالعبادة والحديث، وليس من شأنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية