إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان علاج البخل .

اعلم أن البخل سببه حب المال .

ولحب المال سببان ; أحدهما : حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بماله ; إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم ، أو في شهر ، أو في سنة قريب . وإن كان قصير الأمل ، ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل ، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه ، فيمسك لأجلهم .

ولذلك قال عليه السلام : الولد مبخلة مجبنة مجهلة .

فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر ، وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة .

السبب الثاني: أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وتفضل آلاف ، وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال كثيرة ، ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض ، بل صار محبا للدنانير ، عاشقا لها ، يلتذ بوجودها في يده ، وبقدرته عليها ، فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع ، أو يأخذها أعداؤه هذا ، فلا تسمح نفسه بأن يأكل ، أو يتصدق منها بحبة واحدة وهذا مرض للقلب عظيم ، عسير العلاج لا سيما في كبر السن ، وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه .

ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه ، ثم نسي محبوبه ، واشتغل برسوله ، فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك ; لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ ، ثم قد تنسى الحاجات ، ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه ، وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا ، فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته ، والحجر بمثابة واحدة .

فهذه أسباب حب المال .

وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فتعالج ، حب الشهوات بالقناعة باليسير ، وبالصبر وتعالج ، طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال ، وضياعه بعدهم وتعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه وكم من ولد ولم يرث من أبيه مالا وحاله ، أحسن ممن ورث ، وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير ، وينقلب هو إلى شر وأن ولده إن كان تقيا صالحا ، فالله كافيه وإن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية ، وترجع مظلمته إليه .

ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ، ومدح السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم .

ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ، ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له ، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ، ويستثقل كل بخيل من أصحابه ، فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه .

ويعالج أيضا قلبه بأن يتفكر في مقاصد المال وأنه ، لماذا خلق ولا ، يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه ، والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله .


(بيان علاج البخل)

(اعلم) - وفقك الله تعالى - (أن البخل سببه حب المال، ولحب المال سببان; أحدهما: حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل) ، فهما شرطان في تحقق الوصول، ومتى تأخر أحدهما عن الآخر لم يتم له الوصول (فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما لا يبخل بماله; إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم، أو في شهر، أو في سنة قريب .

وإن كان قصير الأمل، ولكن كان له أولاد قام الولد مقام طول الأمل، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه، فيمسك المال لأجلهم) لينتفعوا به بعد موته .

(ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: الولد مبخلة) ، أي: يحمل والده على ترك الإنفاق في الطاعة خوف الفقر (مجبنة) ، أي: يحمله على الجبن عن الجهاد خشية ضيعته (مجهلة) يحمله على الجهل في أمر الدين، وفي نسخة العراقي: محزنة بدل: مجهلة، وقال: رواه ابن ماجه من حديث يعلى بن مرة دون [ ص: 208 ] قوله: محزنة .

ورواه بهذه الزيادة أبو يعلى، والبزار من حديث أبي سعيد، والحاكم من حديث الأسود بن خلف، وإسناده صحيح. انتهى .

قلت: حديث يعلى بن مرة لفظه: الولد مبخلة، مجبنة، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج.

هكذا رواه أحمد، وابن سعد في الطبقات، والطبراني في الكبير، وحديث أبي سعيد عند أبي يعلى، والبزار لفظه: مجبنة ، مبخلة ، محزنة ، وفي بعض رواياتهم بزيادة: ثمرة القلب قبل هذه الألفاظ، وقد روى ابن ماجه من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فضمهما إليه، وقال: الولد مبخلة ، مجبنة.

وأما حديث الأسود بن خلف، فرواه العسكري في الأمثال، والحاكم في الصحيح من طريق معمر ، عن أبي خيثم، عن محمد بن الأسود بن خلف بن عبد يغوث الزهري، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حسنا يقبله، ثم أقبل عليهم، فقال: إن الولد مجبنة، مبخلة، وأحسبه قال: مجهلة.

وكذلك رواه البغوي، وابن السكن، والدارقطني في الأفراد، ولم يقولوا: وأحسبه قال: مجهلة .

وللعسكري فقط من طريق أشعث بن قيس، قال: مررت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: ما فعلت بنت عمك؟ قلت: نفست بغلام، ووالله لوددت أن لي به سبعة، فقال: أما لئن قلت: إنهم مجبنة، مبخلة، وإنهم لقرة العين، وثمرة الفؤاد.

ومن حديث عمر بن عبد العزيز، قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو يحتضن حسنا، أو حسينا، وهو يقول: إنكم لتجبنون ، وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان الله.

وأخرج الطبراني في الكبير حديث خولة بلفظ: الولد محزنة، مجبنة، مجهلة، مبخلة.

(فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر، وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة) .

السبب الثاني: أن يحب عين المال، فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته، ولو فوق الاقتصاد (ويفضل) من إنفاقه (آلاف، وهو) مع ذلك (شيخ لا ولد له) ، ولا يرجى منه أن يأتي بولد (ومعه أموال كثيرة، ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة) منها (ولا بمداواة نفسه عند المرض، بل صار محبا للدنانير، عاشقا لها، يلتذ بوجودها في يده، وبقدرته عليها، فيكنزها تحت الأرض) ، أو في الصناديق (وهو يعلم أنه يموت) لا محالة (فتضيع، أو يأخذها أعداؤه) ، أو الظلمة من الحكام، أو يسرقها من كان مطلعا عليها (ومع هذا، فلا تسمح نفسه بأن يأكل، أو يتصدق منها بحبة) واحدة (وهذا مرض للقلب عظيم، عسير العلاج) ; لأنه قد جبل طبعه عليه، وتعوده (لا سيما في كبر السن، وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه، ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه، ثم نسي محبوبه، واشتغل برسوله، فإن الدنانير) ، والدراهم (رسول مبلغ إلى الحاجات) ، أنشدني بعض الإخوان:


أرسلت في حاجتي رسولي سميته درهما فتمت     لو لم يكن درهمي رسولي
ما نالت النفس ما تمنت

وقال بعضهم:


إذا كنت في حاجة مرسلا     فأرسل رسولا هو الدرهم

(فصارت) الدنانير، والدراهم (محبوبة لذلك; لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ، ثم قد ينسى الحاجات، ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه، وهو غاية الضلال) ، ونهاية الخسران (بل من رأى بينه وبين الحجر) المرمي في الطريق (فرقا، فهو لجهله إلا من حيث قضاء حاجته به) دون الحجر (والفاضل عن قدر حاجته، والحجر بمثابة واحدة) لا فرق بينهما .

(فهذه أسباب حب المال، وإنما علاج كل علة بمضادة سببها، فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير، وبالصبر، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت) في قيامه، وقعوده، وعند منامه (والنظر في موت الأقران) من أشكاله (وطول تعبهم في جمع الأموال، وضياعه بعدهم) ، وأنه لم ينفعهم، بل كان وبالا عليهم (ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن الذي خلقه خلق معه رزقه) ، وأنه مضمون له (وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا، وما به أحسن ممن ورث، وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير، وينقلب هو إلى شر) من جهة الحساب والعقاب (وأن ولده إن كان تقيا صالحا، فالله كافيه) ، ومتكفل أموره (وإن كان [ ص: 209 ] فاسقا فيستعين بماله على المعصية، وترجع مظلمته إليه) .

وقد روى الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر: الويل كل الويل لمن ترك عياله بخير، وقدم على ربه بشر.

(ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل، ومدح السخاء) مما تقدم ذكر بعضها (وما توعد الله به على البخل من العذاب العظيم) في الآخرة .

(ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء، ونفرة الطبع عنهم، واستقباحه لهم، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره، ويستثقل كل بخيل من أصحابه، فيعلم أنه مستثقل) في الطباع (ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه، ويعالج أيضا قلبه بأن يتفكر في مقاصد المال، وأنها لماذا خلقت، فلا يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه، والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل ثواب بذله) في مواضع الخير .

التالي السابق


الخدمات العلمية