إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والتعبير من أوله إلى آخره أمثال تعرفك طريق ضرب الأمثال ، وإنما نعني بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجده صادقا وإن نظر إلى صورته وجده كاذبا ، فالمؤذن إن نظر إلى صورة الخاتم ، والختم به على الفروج رآه كاذبا ، فإنه لم يختم به قط ، وإن نظر إلى معناه وجده صادقا إذ ، صدر منه روح الختم ومعناه ، وهو المنع الذي يراد الختم له ، وليس للأنبياء أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال ; لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم أنهم في النوم ، والنائم لا يكشف له عن شيء إلا بمثل ، فإذا ماتوا انتبهوا ، وعرفوا أن المثل صادق ; ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » وهو من المثال الذي لا يعقله إلا العالمون فأما الجاهل فلا يجاوز قدره ظاهر المثال لجهله بالتفسير الذي يسمى تأويلا كما يسمى تفسير ما يرى من الأمثلة في النوم تعبيرا ، فيثبت لله تعالى يدا وإصبعا ، تعالى الله عن قوله علوا كبيرا وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله خلق آدم على صورته » فإنه لا يفهم من الصورة إلا اللون والشكل والهيئة ، فيثبت لله تعالى مثل ذلك ، تعالى الله عن قوله علوا كبيرا من ههنا زل من زل في صفات إلهية حتى في الكلام ، وجعلوه صوتا وحرفا إلى غير ذلك من الصفات ، والقول فيه يطول وكذلك قد يرد في أمر الآخرة ضرب أمثلة يكذب بها الملحد بجمود نظره على ظاهر المثال وتناقضه عنده كقوله صلى الله عليه وسلم : « يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح فيثور الملحد الأحمق ، ويكذب ويستدل به على كذب الأنبياء ويقول يا سبحان الله ، الموت عرض والكبش جسم فكيف ينقلب العرض جسما ، وهل هذا إلا محال ولكن الله تعالى عزل هؤلاء الحمقى عن معرفة أسراره فقال : وما يعقلها إلا العالمون ، ولا يدري المسكين أن من قال : « رأيت في منامي أنه جيء بكبش ، وقيل هذا هو الوباء الذي في البلد وذبح فقال المعبر صدقت ، والأمر رأيت ، وهذا يدل على أن هذا الوباء ينقطع ، ولا يعود قط ; لأن المذبوح ، وقع اليأس منه فإذن ، المعبر صادق في تصديقه ، وهو صادق في رؤيته ، وترجع حقيقة ذلك إلى أن الموكل بالرؤيا ، وهو الذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللوح المحفوظ عرفه بما في اللوح المحفوظ بمثال ضربه له لأن النائم إنما يحتمل المثال فكان مثاله صادقا ، وكان معناه صحيحا ، فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا ، وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم ، فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من الله ، ولطفا بعباده ، وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل فقوله « يؤتى بالموت في صورة كبش أملح » مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت وقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة ، وثبوت المعاني فيها بواسطتها ولذلك ، عبر القرآن بقوله : كن فيكون عن نهاية القدرة ، وعبر صلى الله عليه وسلم بقوله : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » عن سرعة التقليب .


(والتعبير من أوله إلى آخره أمثال تعرفك طريق ضرب الأمثال، وإنما نعني بالمثال أن أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجده صادقا [ ص: 549 ] وإن نظر إلى صورته) الظاهرة، (وجده كاذبا، فالمؤذن إن نظر إلى صورة الخاتم، والختم به على) الأفواه، (والفروج رآه كاذبا، فإنه لم يختم به قط، وإن نظر إلى معناه وجده صادقا، إذا قد صدر منه روح الختم ومعناه، وهو المنع الذي يراد الختم له، وليس للأنبياء) عليهم السلام (أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال; لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم) فقد روى الديلمي من طريق ابن عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن عبد الله بن قريش، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا إسماعيل بن محمد الطلمي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبي معشر، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه: أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، وأبو معشر ضعيف، وعزاه الحافظ ابن حجر لمسند الحسن بن سفيان من حديث ابن عباس بلفظ "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" قال: وسنده ضعيف جدا. ورواه أبو الحسن التميمي من الحنابلة في كتاب العقل له بسنده عن ابن عباس أيضا بلفظ: "بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم"، (وقدر عقولهم أنهم في النوم، والنائم لا يكشف له عن شيء إلا بمثل، فإذا ماتوا انتبهوا، وعرفوا أن المثل صادق; ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن") رواه أحمد ومسلم والدارقطني في الصفات من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب رجل واحد يصرفه كيف يشاء، اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا على طاعتك"، وروى ابن خزيمة من حديث أبي ذر أن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإذا شاء صرفه، وإن شاء بصره.

وروى الحاكم من حديث جابر: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يقلبها هكذا"، وقد تقدم ذلك في كتاب عجائب القلب، وفي كتاب قواعد العقائد .

(وهو من المثال الذي لا يعقله إلا العالمون فأما الجاهل) العامي الذي لم تكشف بصيرته بنور الإيمان (فلا يجاوز قدره) ، وفي نسخة: عقله، (ظاهر المثال لجهله بالتعبير الذي يسمى تأويلا كما يسمى تفسير ما يرى من الأمثلة في النوم تعبيرا، فيثبت لله تعالى يدا وإصبعا، تعالى عن قوله) علوا كبيرا، وقد أمضاه جهله بحقائق الأمور حتى أوقعه في هذا الوهم، وكان يكفي في دفعه أن يعرف أن الله تعالى ليس بجسم، وليس من جنس الأجسام، (وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته") رواه أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة بلفظ: "خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعا" الحديث، وقد تقدم في كتاب قواعد العقائد .

(فإنه لا يفهم من الصورة إلا اللون والشكل والهيئة، فيثبت لله تعالى مثل ذلك، تعالى عن قوله علوا كبيرا) ، مثال ذلك: إذا أورد الفقيه في كلامه لفظ الصورة للمسألة بين يدي الصبي أو العامي الذي يفقه معنى المسألة، ظن الصبي، أو العامي أن المسألة يعني بها صورة في تلك الصورة أنف وفم وعين على ما عرفه واستقر عنده من معنى الصورة المعروفة، أما من عرف حقيقة المسألة المعروفة بأنها عبارة عن علوم مرتبة ترتيبا مخصوصا، فهل يتصور أن يتوهم للمسألة عينا وأنفا وفما وصورة من جنس صور الأجسام، أو صورة الإنسان، بل تكفيه معرفته بأن المسألة منزهة عن الجسمية وعوارضها، فكذلك معرفة نفي الجسمية عن حقيقة الإلهية وتقديسها عنها يكون قرينة في كل سمع مفهمة لفهم معنى الصورة في الحديث المذكور، ويتعجب من العارف بتقديسه عن الجسمية من يتوهم لله تعالى الصورة الجسمانية، كما يتوهم بالمسألة الواقعة صورة جسمانية، (ومن ههنا زل) قدم (من زل في صفات الإلهية) كالاستواء والفوقية وغيرهما، (حتى في الكلام، وجعلوه صوتا وحرفا وغير ذلك من الصفات، والقول فيه يطول) ، وقد استوفيناه بتفصيله في شرح قواعد العقائد، (وكذلك قد ورد في أمر الآخرة ضرب أمثلة يكذب بها الملحدون) المارقون من الدين (لجمود نظرهم على ظاهر المثال وتناقضه عندهم كقوله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح) أي: أسود يعلو شعره بياض، وقيل: نقي البياض، وقيل: ليس بخالص البياض، بل فيه عفرة، (فيذبح) ، قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي سعيد اهـ .

قلت: وروى الترمذي، وقال: حسن صحيح، ولفظه: "يؤتى بالموت كأنه كبش أملح حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة فيشرفون [ ص: 550 ] ويقال: يا أهل النار فيشرفون. فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت فيضطجع ويذبح، فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها لماتوا حزنا، وقد روي من حديث أنس، وأبي هريرة، وابن عمر:

أما حديث أنس فرواه أبو يعلى، والضياء مختصرا بلفظ: "يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد وهناد وابن ماجه والحاكم بلفظ: "يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين: كلاكما خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا، وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير بلفظ: "يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرفون، وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت. فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، (فيثور الملحد الأحمق، ويكذب) هذا القول، (ويستدل به على كذب الأنبياء) عليهم السلام، (ويقول) متعجبا من قولهم (يا سبحان الله، الموت عرض) من الأعراض محتاج في وجوده إلى محل يقوم به، (والكبش جسم) من الأجسام، (فكيف ينقلب العرض جسما، وهل هذا) أي انقلاب العرض جسما، (إلا محال) لا يتصور وجوده في الخارج، أو باطل، (ولكن الله تعالى عزل هؤلاء الحمقى عن معرفة أسراره فقال: وما يعقلها إلا العالمون ، ولا يدري المسكين أن من قال: "رأيت في منامي أنه جيء بكبش، وقيل) لي: (هذا هو الوباء الذي في البلد) ، وهو المرض الذي يعقبه الموت سريعا، (وذبح) ، واستعبره عند المعبر، (فقال) له (المعبر صدقت، والأمر كما رأيت، وهذا يدل على أن هذا الوباء ينقطع، ولا يعود) إلى هذا البلد (قط; لأن المذبوح، وقع اليأس منه، فإذا المعبر صادق في تعبيره، وهو صادق في رؤيته، وترجع حقيقته إلى أن الملك الموكل بالرؤيا، وهو الذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللوح المحفوظ) قد (عرفه بما في اللوح المحفوظ بمثال ضرب له) حتى يدركه بفهمه; (لأن النائم إنما يحمل المثال فكان مثاله صادقا، وكان معناه صحيحا، فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا، وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم، فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة) المضروبة (حكمة من الله تعالى، ولطفا بعباده، وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل) ، فقد روى البخاري في الصحيح عن علي موقوفا: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟"، وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود: ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وروى الديلمي من حديث ابن عباس: "لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحتمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم" فكان ابن عباس يخفي أشياء من حديثه، ويفشيها إلى أهل العلم، وروى البيهقي في الشعب من حديث المقدام بن معدي كرب: "إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب عنهم، ويشق عليهم". (فقوله) صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: ("يؤتى بالموت في صورة كبش أملح" مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت) ، وثبوت الخلود إما في الجنة وإما في النار، (وقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة، وثبوت المعاني فيها بواسطتها، وكذلك عبر القرآن بقوله: كن فيكون عن نهاية القدرة، وعبر صلى الله عليه وسلم بقوله: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" عن سرعة التقليب) ، وعن كمال القدرة والإحاطة به .

التالي السابق


الخدمات العلمية