إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فانظر كيف كان يسوق الخلق بسياط الخوف ، ويقودهم بأزمة الرجاء إلى الله تعالى ؛ إذ ساقهم بسياط الخوف أولا ، فلما خرج ذلك بهم عن حد الاعتدال إلى إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء ، وردهم إلى الاعتدال والقصد ، والآخر لم يكن مناقضا للأول ، ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه ، فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء

ذكر تمام الأمر . فعلى الواعظ أن يقتدي بسيد الوعاظ فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة بعد ملاحظة العلل الباطنة ، وإن لم يراع ذلك كان ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلح وفي الخبر : لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم وفي لفظ آخر : لذهب بكم وجاء بخلق يذنبون فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم وفي الخبر : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب ، قيل : وما هو ؟ قال العجب وقال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها وفي الخبر : ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه وفي الخبر : إن لله تعالى مائة رحمة ، ادخر منها عنده تسعا وتسعين رحمة ، وأظهر منها في الدنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق ، فتحن الوالدة على ولدها ، وتعطف البهيمة على ولدها ، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى التسع والتسعين ثم بسطها على جميع خلقه ، وكل رحمة منها طباق السموات والأرض ، قال : فلا يهلك على الله يومئذ إلا هالك وفي الخبر : ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ، ولا ينجيه من النار ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وقال عليه : أفضل الصلاة والسلام اعملوا ، وأبشروا ، واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله وقال صلى الله عليه وسلم : إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أترونها للمطيعين المتقين بل هي للمتلوثين المخلطين وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت بالحنيفية السمحة السهلة وقال صلى الله عليه وسلم : وعلى كل عبد مصطفى أحب أن يعلم أهل الكتابين أن في ديننا سماحة ويدل على معناه استجابة الله تعالى للمؤمنين في قولهم ولا تحمل علينا إصرا وقال تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وروى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لما نزل قوله تعالى : فاصفح الصفح الجميل قال يا جبريل ، وما الصفح الجميل ؟ قال : عليه السلام إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه ، فقال : يا جبريل ، فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه ، فبكى جبريل ، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث الله تعالى إليهما ميكائيل عليه السلام ، وقال : إن ربكما يقرئكما السلام ويقول : كيف أعاتب من عفوت عنه ، هذا ما لا يشبه كرمي .


(فانظر كيف كان) صلى الله عليه وسلم (يسوق الخلق بسياط الخوف، ويقودهم بأزمة الرجاء إلى الله تعالى؛ إذ ساقهم بسياط الخوف أولا، فلما خرج ذلك بهم عن حد الاعتدال إلى) حد (إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء، وردهم إلى الاعتدال والقصد، والآخر لم يكن مناقضا للأول، ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه، فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء ذكر تمام الأمر. فعلى الواعظ) على العامة (أن يقتدي بسيد الوعاظ) صلى الله عليه وسلم (فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة) إليها (بعد ملاحظة العلل الباطنة، وإن لم يراع ذلك كان ما يفسد بوعظه أكثر ما يصلحه) .

قال صاحب القوت: "مقام الرجاء هو جند من جنود الله تعالى، يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره؛ لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان، ويقبل ويطمئن معاملة النعم والامتنان، ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب، بل قد يقطعها ذلك ويوحشها؛ إذ جعل الرجاء طريقها، فوجدت فيه قلوبها. ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي، والغني في الإنسان، من الناس من يقبل قلبه ويجتمع همه عندهما، ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما، كما قيل عن الله تعالى: إن من عبادي ما لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، ومن عبادي ما لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، إني أدبر عبادي بعلمي، إني بهم عليم خبير، فكذلك من عبادي من لا يصلحه إلا الرجاء، ولا يستقيم قلبه إلا عليه، ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن [ ص: 183 ] الظن به، فهو طريقه ومقامه منه، ومنه عمله به، وعنده يجد قلبه معه".

(وفي الخبر: لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم) . قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي أيوب اهـ .

قلت: لفظه عند مسلم: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم". وقد رواه كذلك أحمد وعبد بن حميد والترمذي وقال: حسن غريب. وأما سياق المصنف فقد رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر إلا أنه قال: ثم يغفر لهم. (وفي لفظ آخر: لذهب بكم وجاء بخلق آخر فيذنبون فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم) كذا في القوت، قال: أي إن وصفه سبحانه المغفرة والرحمة ولا بد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه، هذا كما يقول في علم المغفرة إن لله سبحانه من كل اسم وصفا، ومن كل وصف فعلا، وفي هذا سر المغفرة، ومنه معرفة الخصوص. قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي هريرة قريبا منه اهـ .

قلت: ورواه أحمد والطبراني من حديث ابن عباس: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم، وروى الشيرازي في الألقاب من حديث أبي هريرة: لولا أنكم أيتها الأمة تذنبون لاتخذ الله عبادا يذنبون فيغفر لهم. وروى ابن عساكر من حديث أنس أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه أنا نصيب من الذنوب فقال لهم: لولا أنكم تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.

(وفي الخبر: لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب، قيل: وما هو؟ قال العجب) . كذا في القوت، قال العراقي: رواه البزار وابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أنس، وتقدم في ذم الكبر والعجب اهـ .

قلت: وفي لفظ: لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب، هكذا رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق، والحاكم في تاريخه، وأبو نعيم، ورواه الديلمي من حديث أبي سعيد. قال صاحب القوت: ولعمري إن العجب من صفات النفس المتكبرة، وهو يحبط الأعمال، وهو من كبار أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية، ولأن يبتلى العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلى بصفة من صفات النفس مثل الكبر والعجب والبغي والحسد وحب المدح وطلب الذكر؛ لأن هذه منها معاني صفات الربوبية، ومنها أخلاق الأبالسة، وبها هلك إبليس، وشهوات النفس من وصف الخلقة، وبها عصى آدم ربه فاجتباه بعدها وهدى .

(وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيفة بولدها) قال العراقي: متفق عليه من حديث عمر بنحوه. (وفي الخبر: ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله من حديث حذيفة بإسناد ضعيف اهـ .

قلت: ورواه الطبراني في الشعب بلفظ: والذي نفسي بيده ليغفرن الله... الحديث .

(وفي الخبر: إن لله مائة رحمة، ادخر منها تسعا وتسعين رحمة، وأظهر منها في الدنيا رحمة واحدة فيها يتراحم الخلق، فتحن الوالدة إلى ولدها، وتعطف البهيمة على ولدها، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى التسعة والتسعين ثم يبسطها على جميع خلقه، وكل رحمة منها طباق السموات والأرض، قال: فلا يهلك على الله يومئذ إلا هالك) . قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي هريرة اهـ .

قلت: لفظ مسلم: إن لله عز وجل مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن، والإنس، والبهائم، والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. ورواه كذلك ابن ماجه، ورواه مسلم أيضا من حديث سلمان، وعند البيهقي من حديث أبي هريرة: إن لله تعالى مائة رحمة، قسم منها رحمة في دار الدنيا، فمن ثم يعطف الرجل على ولده، والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة، فعاد بها على الخلق. وعند مسدد من حديث سلمان: إن لله تعالى مائة رحمة منها رحمة تتراحم بها الخلق، وتسعة وتسعين ليوم القيامة. وعند الحاكم من حديث أبي هريرة: إن لله تعالى مائة رحمة قسم منها رحمة بين أهل الدنيا فوسعتهم إلى آجالهم، وأخر تسعا وتسعين رحمة لأوليائه، وإن الله قابض تلك الرحمة التي قسمها بين أهل الدنيا إلى التسع والتسعين فيكملها مائة رحمة لأوليائه يوم القيامة.

(وفي الخبر: ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة، ولا ينجيه من النار، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:

[ ص: 184 ] ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)
متفق عليه من حديث أبي هريرة، وعند ابن حبان: ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت؟... الحديث، وفي آخره: ولكن سددوا. وعند الطبراني من حديث أبي موسى: ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة، قيل: ولا أنت؟... الحديث. ورواه كذلك ابن حبان والبغوي وابن قانع والطبراني أيضا من حديث شريك بن طارق، قال البغوي: ولا أعلم له غيره، وهذا الحديث قد تقدم .

(وقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا وأبشروا، واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله) قد تقدم أيضا. (وقال صلى الله عليه وسلم: إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) قال العراقي: رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي. ورواه مسلم من حديث أنس، وللترمذي من حديثه، وصححه، وابن ماجه من حديث جابر: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي اهـ .

قلت: لفظ الصحيحين من حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. وقد رواه أحمد كذلك، وفي لفظ لمسلم من حديث جابر: لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. ورواه كذلك أحمد وابن خزيمة وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. ورواه كذلك الترمذي وابن ماجه، وفي لفظ للشيخين من حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. وفي لفظ لمسلم: لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة.وأما حديث: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فقد رواه أنس وجابر وابن عمر وكعب بن عجرة وابن عباس، فحديث أنس رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وابن أبي عاصم والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وصححاه والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وقال: إنه إسناد صحيح، والضياء في المختارة، كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر ثبت عنه .

ورواه أيضا أحمد وأبو داوود وابن خزيمة والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بلفظ: الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي. ورواه البيهقي من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بلفظ: قلنا: يا رسول الله، لمن تشفع؟ قال: لأهل الكبائر من أمتي، وأهل العظائم، وأهل الدماء. ومن طريق زياد النميري عن أنس بلفظ: إن شفاعتي أو إن الشفاعة لأهل الكبائر. وأما حديث جابر فرواه الطيالسي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية والضياء، كلهم من طريق زهير بن محمد عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عنه. وقد رواه عن زهير عمرو بن أبي سلمة ومحمد بن ثابت البناني والوليد بن مسلم، وأما حديث ابن عمر فرواه الخطيب في التاريخ، وأما حديث كعب بن عجرة فرواه الدارقطني في الإفراد، والخطيب في التاريخ، وفي البعث للبيهقي من طريق الشعبي عنه قال: قلت: يا رسول الله، الشفاعة الشفاعة؟ فقال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في الكبير، وقد روى عن أبي الدرداء ولكن بلفظ الذنوب بدل الكبائر، رواه الخطيب في التاريخ ولفظه: شفاعتي لأهل الذنوب من أمتي، قال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم، وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء.

(أترونها للمطيعين المتقين بل هي للمتلوثين المخلطين) قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث أبي موسى، وأحمد من حديث ابن عمر: خيرت بين الشفاعة، وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟!... الحديث. وفيه: من لم يسم.. اهـ .

قلت: رواه كذلك من حديث ابن عمر الحسن بن عرفة في جزئه، والطبراني وابن النجار، ومن حديث أبي موسى رواه أيضا الطبراني، ولفظ الجميع: شطر أمتي بدل نصف، وفيه: أفترونها للمؤمنين المتقين؟! لا ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين.

(وقال صلى الله عليه وسلم: بعثت بالحنيفية السمحة السهلة) قال العراقي: رواه أحمد من حديث أبي أمامة بسند ضعيف دون قوله: السهلة، وله وللطبراني من حديث ابن عباس: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، وفيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة اهـ .

قلت: ترجم البخاري في صحيحه: باب أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، وقد رواه أيضا بدون [ ص: 185 ] لفظ السهلة الديلمي من حديث عائشة، وابن سعد في الطبقات عن حبيب بن أبي ثابت مرسلا، ورواه الخطيب وابن النجار من حديث جابر بزيادة: ومن خالف سنتي فليس مني، وأما حديث ابن عباس: أحب الدين... إلخ. فرواه أيضا البخاري في الأدب المفرد، والبزار من طريق داوود بن الحصين عن عكرمة عنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحنيفية السمحة. وله طرق، ورواه البزار أيضا عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن جده، ورواه بزيادة: فإذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم. الحاكم. والنرسي في الغرائب وابن عساكر، وأبو موسى المديني في المعرفة من حديث أسعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي.

(وقال صلى الله عليه وسلم: أحب أن يعلم أهل الكتابين أن في ديننا سماحة) قال العراقي: رواه أبو عبيد في غريب الحديث وأحمد اهـ .

قلت: رواه الديلمي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في حديث الحبشة، ولعبهم، ونظر عائشة إليهم، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بالحنيفية السمحة. رواه أحمد هكذا من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، تعني يوم الحبشة: لتعلم... وذكره بلفظ: أني أرسلت بدل بعثت. وسنده حسن. (ويدل على معناه استجابة الله للمؤمنين في قولهم) ربنا (ولا تحمل علينا إصرا) كما حملته على الذين من قبلنا ، فقال: قد فعلت. (وقال) الله عز وجل: ومن أصدق من الله قيلا ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) . فهذه العلوم هي أسباب قوة الرجاء في أولي الألباب، كيف وقد جاء ما يغلب حكم الرجاء من غير اغترار ما روي عن الله تعالى: أنا إلى الرحمة والعفو أقرب مني إلى العقوبة.

(وروى) أبو القاسم (محمد بن) علي بن أبي طالب الهاشمي المدني ابن (الحنفية) منسوب إلى أمه من بني حنيفة، ثقة عالم، مات بعد الثمانين (عن) أبيه (علي رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: فاصفح الصفح الجميل قال) صلى الله عليه وسلم: (يا جبريل، وما الصفح الجميل؟ قال: إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه، فقال: يا جبريل، فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه، فبكى جبريل، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث الله إليهما ميكائيل عليه السلام، وقال: إن ربكما يقرئكما السلام ويقول: كيف أعاتب من عفوت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي) . هكذا هو في القوت، وقال العراقي: رواه ابن مردويه في التفسير موقوفا على علي مختصرا، قال: الرضا بغير عتاب، ولم يذكر بقية الحديث، وفي إسناده نظر انتهي .

قلت: وكذلك رواه ابن النحاس من قول علي، ورواه البيهقي في الشعب من قول ابن عباس.

التالي السابق


الخدمات العلمية