إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فإن قلت : فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة ، فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها على التفصيل ، ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها ، أما الختم على الشك والجحود فينحصر سببه في : شيئين

أحدهما : يتصور مع تمام الورع والزهد وتمام الصلاح في الأعمال كالمبتدع الزاهد فإن عاقبته مخطرة جدا وإن كانت أعماله صالحة ولست أعني مذهبا فأقول : إنه بدعة ، فإن بيان ذلك يطول القول فيه ، بل أعني بالبدعة أن يعتقد الرجل في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق فيعتقده على خلاف ما هو عليه ، إما برأيه ومعقوله ونظره الذي به يجادل الخصم وعليه يعول وبه يغتر وإما أخذا بالتقليد ممن هذا حاله فإذا قرب الموت وظهرت له ناصية ملك الموت واضطرب القلب بما فيه ربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا إذ حال الموت حال كشف الغطاء ومبادئ سكراته منه ، فقد ينكشف به بعض الأمور ، فمهما بطل عنده ما كان اعتقده وقد كان قاطعا به متيقنا له عند نفسه لم يظن بنفسه أنه أخطأ في هذا الاعتقاد خاصة لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد وعقله الناقص ، بل ظن أن كل ما اعتقده لا أصل له إذ لم يكن عنده فرق في إيمانه بالله ورسوله وسائر اعتقاداته الصحيحة وبين اعتقاده الفاسد ، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته أو لشكه فيها ، فإن اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن يثبت ويعود إلى أصل الإيمان فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك والعياذ بالله منه ، فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبقوله : عز وجل قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وكما أنه ينكشف في النوم ما سيكون في المستقبل وذلك بسبب خفة أشغال الدنيا عن القلب فكذلك ينكشف في سكرات الموت بعض الأمور إذ شواغل الدنيا وشهوات البدن هي المانعة للقلب من أن ينظر إلى الملكوت فيطالع ما في اللوح المحفوظ لتنكشف له الأمور على ما هي عليه ، فيكون مثل هذه الحال سببا للكشف ويكون الكشف سبب الشك في بقية الاعتقادات وكل من اعتقد في الله تعالى وفي صفاته وأفعاله شيئا على خلاف ما هو به إما تقليدا وإما نظرا بالرأي والمعقول فهو في هذا الخطر ، والزهد والصلاح لا يكفي لدفع هذا الخطر ، بل لا ينجي منه إلا الاعتقاد الحق والبله بمعزل عن هذا الخطر أعني الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا كالأعراب والسوادية وسائر العوام الذين لم يخوضوا في البحث والنظر ولم يشرعوا في الكلام استقلالا ولا صغوا إلى أصناف المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : أكثر أهل الجنة البله .

ولذلك منع السلف من البحث والنظر والخوض في الكلام والتفتيش عن هذه الأمور وأمروا الخلق أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل الله عز وجل جميعا وبكل ما جاء من الظواهر مع اعتقاد نفي التشبيه ومنعوهم عن الخوض في التأويل لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كئودة ومسالكه وعرة والعقول عن درك جلال الله تعالى قاصرة وهداية الله تعالى بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حب الدنيا محجوبة وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم مضطرب ومتعارض ، والقلوب لما ألقي إليها في مبدأ النشأة آلفة وبه متعلقة والتعصبات الثائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقائد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظن من المعلمين في أول الأمر ، ثم الطباع بحب الدنيا مشغوفة وعليها مقبلة ، وشهوات الدنيا بمخنقها آخذة ، وعن تمام الفكر صارفة .

فإذا فتح باب الكلام في الله وفي صفاته بالرأي والمعقول مع تفاوت الناس في قرائحهم واختلافهم في طبائعهم وحرص كل جاهل منهم على أن يدعي الكمال أو الإحاطة بكنه الحق انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل واحد منهم ، وتعلق ذلك بقلوب المصغين إليهم وتأكد ذلك بطول الإلف فيهم فانسد بالكلية طريق الخلاص عليهم فكانت سلامة الخلق في أن يشتغلوا بالأعمال الصالحة ولا يتعرضوا لما هو خارج عن حد طاقتهم ولكن الآن قد استرخى العنان وفشا الهذيان ونزل كل جاهل على ما وافق طبعه بظن وحسبان ، وهو يعتقد أن ذلك علم واستيقان ، وأنه صفو الإيمان ويظن أن ما وقع به من حدس وتخمين علم اليقين وعين اليقين ولتعلمن نبأه بعد حين ، وينبغي أن ينشد في هؤلاء عند كشف الغطاء :

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر     وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر

واعلم يقينا أن كل من فارق الإيمان الساذج بالله ورسوله وكتبه وخاض في البحث فقد تعرض لهذا الخطر ، ومثاله مثال من انكسرت سفينته وهو في ملتطم الأمواج يرميه موج إلى موج فربما يتفق أن يلقيه إلى الساحل وذلك بعيد والهلاك عليه أغلب .

وكل نازل على عقيدة تلقفها من الباحثين ببضاعة عقولهم إما مع الأدلة التي حرروها في تعصباتهم أو دون الأدلة فإن كان شاكا فيه فهو فاسد الدين ، وإن كان واثقا فهو آمن من مكر الله مغتر بعقله الناقص وكل خائض في البحث فلا ينفك عن هاتين الحالتين إلا إذا جاوز حدود المعقول إلى نور المكاشفة الذي هو مشرق في عالم الولاية والنبوة وذلك هو الكبريت الأحمر وأنى يتيسر وإنما يسلم عن هذا الخطر البله من العوام أو الذين شغلهم خوف النار بطاعة الله فلم يخوضوا في هذا الفضول فهذا أحد الأسباب المخطرة في سوء الخاتمة .


(فإن قلت: فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة، فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها على التفصيل، ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها، أما الختم على الشك والجحود فينحصر سببه في فنين: أحدهما: يتصور مع تمام الورع والزهد وتمام الصلاح في الأعمال كالمبتدع الزاهد) دخلت عليه المشاهدة من قبل المواجهة بالإنصاف والعدل بمعيار العقل وإتلاف الحد من قبل قوة النظر في الاكتساب (فإن عاقبته مخطرة جدا وإن كانت أعماله صالحة) ويدلك على ذلك أن أكثر هذه المخاوف كانت في البصريين وأهل عبادان والعسكر وكان مذهبهم القدر فوقعوا في غاية الخطر (ولست أعني مذهبا فأقول: إنه بدعة، فإن بيان ذلك يطول القول فيه، بل أعني بالبدعة أن يعتقد الرجل في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف ما هو الحق [ ص: 236 ] فيعتقد على خلاف ما هو عليه، إما برأيه ومعقوله ونظره الذي يجادل به الخصم وعليه يعول وبه يغتر) وذلك مثل أصحاب عمرو بن عبيد، وعطاء الغزال، والعطوية والفوطية وأصحاب المنزلة بين المنزلتين .

(وإما أخذا بالتقليد فمن هذا حاله فإذا قرب الموت وظهرت له ناصية ملك الموت واضطرب القلب بما فيه فربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا) فيتمنى أنه لم يعط عقلا (إذ حال الموت حال كشف الغطاء ومبادي سكراته منه، فقد ينكشف به بعض الأمور، فمهما بطل عنده ما كان اعتقده وقد كان قاطعا به) وجازما (متيقنا له عند نفسه لم يظن بنفسه أنه أخطأ في هذا الاعتقاد لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد وعقله الناقص، بل ظن أن كل ما اعتقده لا أصل له إن لم يكن عنده فرق بين الإيمان بالله ورسوله وسائر اعتقاداته الصحيحة وبين اعتقاده الفاسد، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته و) سببا (لشكه فيها، فإن أنفق زهوق روحه في هذا الخطر قبل أن يتثبت ويعود إلى أصل الإيمان فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك والعياذ بالله منه، فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) وبقوله تعالى: وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (وبقوله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) فكم من مغبوط في أحواله تقلبت عليه الحال ومشى بمقارفة قبيح الأعمال فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة (وكما أنه قد ينكشف في النوم ما سيكون في المستقبل لسبب خفة اشتغال الدنيا عن القلب فكذلك ينكشف في سكرات الموت بعض الأمور) مما كان محجوبا عنه (إذ شواغل الدنيا وشهوات البدن هي المانعة للقلب أن ينظر إلى الملكوت فيطالع) عجائب هذا العالم ويطالع (ما في اللوح المحفوظ لتنكشف له الأمور على ما هي عليه، فيكون مثل هذه الحال سبب الكشف ويكون الكشف سبب الشك في بقية الاعتقادات وكل من اعتقد في الله تعالى وفي صفاته وأفعاله شيئا على خلاف ما هو به إما تقليدا) لآبائه ومشايخه (وإما نظرا بالرأي والمعقول فهو في هذا الخطر، والزهد والصلاح لا يكفي أعني لا يكفي لدفع هذا الخطر، بل لا ينجي منه إلا الاعتقاد الحق والبله) الغافلون (بمعزل عن هذا الخطر أعني الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا) قويا (كالأعراب) سكان البادية (والسوادية) ساكني الريف (وسائر العوام الذين لم يخوضوا في البحث والنظر ولم يشرعوا في الكلام استقلالا ولا أصغوا إلى أصناف المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: أكثر أهل الجنة البله) .

رواه البيهقي في الشعب والبزار والديلمي والخلعي في فوائده كلهم من طريق سلامة بن روح بن خالد قال: قال عقيل: إنما أخذ من كتبه وعد هذا الحديث في أفراده، لكن هو عند القضاعي من طريق يحيى بن أيوب، حدثنا عقيل به، وهو في الكنجروذيات من طريق محمد بن العلاء الأيلي عن يونس بن يزيد عن الزهري، وقال العسكري: إنه غريب من حديث الزهري، وهو من حديث يونس عنه أغرب لا أعلمه إلا من هذا الوجه، وله شاهد عند البيهقي أيضا من حديث مصعب بن ماهان عن [ ص: 237 ] الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر، وقال عقبه: إنه بهذا الإسناد منكر، وجاء عن سهل التستري في تفسيره قال: هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت بالله عز وجل، وعن أبي عثمان: هو الأبله في دنياه الفقيه في دينه، وعن الأوزاعي قال: هو الأعمى عن الشر البصير بالخير، أخرجها البيهقي في الشعب، وقد تقدم هذا الحديث .

(ولذلك منع السلف من البحث والنظر والخوض في الكلام والتفتيش عن هذه الأمور وأمروا الخلق أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل الله - عز وجل - جميعا وبكل ما جاء من الظواهر) في الكتاب والسنة (مع اعتقاد نفي التشبيه) وإثبات التنزيه والتقديس (ومنعوهم من الخوض في التأويل) وفتح هذا الباب رأسا (لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كئودة) أي: متعبة (ومسالكه وعرة) أي: صعبة (والعقول عن درك جلال الله تعالى) وعظمته (قاصرة وهداية الله بنور اليقين عن القلوب بما جلبت عليه من حب الدنيا محجوبة) فلا تهتدي إليها (وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم) وآرائهم (مضطرب) ومنتقض (ومتعارض، والقلوب لما ألقي إليها في مبدأ النشأة آلفة وبه متعلقة) وآنسة (والتعصبات السائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقائد الموروثة) عن الآباء (أو المأخوذة بحسن الظن من المعلمين في أول الأمر، ثم الطباع بحب الدنيا مشغوفة وعليها مقبلة، وشهوات الدنيا بمخنقها آخذة، ومن تمام الفكر صارفة، فإذا فتح باب الكلام في الله وفي صفاته بالرأي والمعقول مع تفاوت الناس في قرائحهم واختلافهم في طبائعهم وحرص كل جاهل منهم على أن يدعي الكمال والإحاطة بكنه الحق انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل واحد منهم، وتعلق ذلك بقلوب المصغين إليهم) المستمعين لهم (وتأكد ذلك بطول الإلف فيهم وانسد بالكلية طريق الخلاص عليهم فكانت سلامة الخلق في أن يشتغلوا بالأعمال الصالحة) من العبادة من صلاة وصيام وقراءة وأذكار (ولا يتعرضوا لما هو خارج عن حد طاقتهم ولكن الآن قد استرخى العنان وفشى الهذيان) وثارت التعصبات (ونزل كل جاهل على ما وافق طبعه بظن وحسبان، وهو يعتقد أن ذلك علم واستيقان، وأنه صفو الإيمان ويظن أن ما قنع به من حدس وتخمين) هو (علم اليقين وحق اليقين) كلا ( ولتعلمن نبأه بعد حين ، وينبغي أن ينشد في هؤلاء عند كشف الغطاء هذان البيتان:


أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر     وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر )



وقال القشيري في الرسالة: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ينشدهما كثيرا. اهـ .

أنشدني إياهما الشيخ الأديب عبد الله بن عبد الله بن سلامة المؤذن، قال أنشدني إياهما شيخنا أبو المكارم محمد بن سالم بن أحمد الحنفي قدس سره قبل موته بيسير، فكان آخر ما سمعه منه (واعلم يقينا أن كل من فارق الإيمان الساذج بالله ورسله وكتبه وخاض في البحث فقد تعرض لهذا الخطر، ومثاله مثال من انكسرت سفينته وهو في ملتطم الأمواج يرميه موج إلى موج بما يتفق أن يلقيه إلى الساحل) فينجو (وذلك بعيد والهلاك إليه أغلب، وكل نازل على عقيدة تلقفها من الباحثين ببضاعة عقولهم إما مع الأدلة التي حرروها في تعصباتهم أو دون [ ص: 238 ] الأدلة إن كان شاكا فيه فهو فاسد الدين، وإن كان واثقا به فهو آمن من مكر الله مغتر بعقله الناقص وكل خائض في البحث فلا ينفك عن هاتين الحالتين) لا محالة (إلا إذا جاوز حدود المعقول إلى نور المكاشفة الذي هو مشرق في عالم النبوءة والولاية وذلك هو الكبريت الأحمر) في عزة وجوده (وأنى يتيسر ذلك وإنما يسلم عن هذا الخطر البله من العوام والذين شغلهم خوف النار بطاعة الله) تعالى (فلم يخوضوا في هذا الفضول فهذا أحد الأسباب المخطرة في سوء الخاتمة) .

التالي السابق


الخدمات العلمية