إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
كتاب الفقر والزهد

وهو الكتاب الرابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله الذي تسبح له الرمال وتسجد له الظلال وتتدكدك من هيبته الجبال خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال وزين صورته بأحسن تقويم وأتم اعتدال وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو والآصال ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال فلاح له من بالبهجة والبهاء والكمال ما استقبح دون مبادئ إشراقه كل حسن وجمال واستثقل كل ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال وتمثل له ظاهر الدنيا في صورة امرأة جميلة تميس وتحتال وانكشف له باطنها عجوز شوهاء عجنت من طينة الخزي وضربت في قالب النكال وهي متلفلفة بجلبابها لتخفي قبائح أسرارها بلطائف السحر والاحتيال وقد نصبت حبائلها في مدارج الرجال فهي تقتنصهم بضروب المكر والاغتيال ثم لا تجتزئ معهم بالخلف في مواعيد الوصال بل تقيدهم مع قطع الوصال بالسلاسل والأغلال وتبليهم بأنواع البلايا والأنكال فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار والأفعال زهدوا فيها زهد المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال وأقبلوا بكنه هممهم على حضرة الجلال واثقين منها بوصال ليس دونه انفصال ومشاهدة أبدية لا يعتريها فناء ولا زوال والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء وعلى آله خير آل

أما بعد ، فإن الدنيا عدوة لله عز وجل بغرورها ضل من ضل وبمكرها زل من زل فحبها رأس الخطايا والسيئات وبغضها أم الطاعات وأس القربات .

وقد استقصينا ما يتعلق بوصفها وذم الحب لها في كتاب ذم الدنيا من ربع المهلكات ونحن الآن نذكر فضل البغض لها والزهد فيها فإنه رأس المنجيات فلا مطمع في النجاة إلا بالانقطاع عن الدنيا والبعد منها لكن مقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا وإما بانزواء العبد عنها ويسمى ذلك زهدا ، ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة ، ونحن الآن نذكر حقيقة الفقر والزهد ودرجاتهما وأقسامهما وشروطهما وأحكامهما ، ونذكر الفقر في شطر من الكتاب والزهد في شطر آخر منه ، ونبدأ بذكر الفقر فنقول:

.


بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، الله ناصر كل صابر .

الحمد لله الذي أظهر من آثار جلال كبريائه ما حير مقل العيون من عجائب قدرته، وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته، ومدى سلطنته، هو الله الحق المبين أحق وأبين مما ترى العيون، لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلا، أحمده على ما وفق من الطاعة، وزاد عنه من المعصية، وأسأله لمنته تماما، وبحبله اعتصاما، وأشهد أن لا إله إلا هو وأن محمدا عبده الذي أرسله داعيا إلى الحق، شاهدا على الخلق، فبلغ رسالات ربه غير وان ولا مقصر، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر، إمام من اتقى وبصر من اهتدى، اختاره من كرماء الأنبياء ومشكاة الضياء وذؤابة العلياء وسرة البطحاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، مصابيح الظلمة وينابيع الحكمة وسلم تسليما كثيرا وبعد

فهذا شرح (كتاب الفقر والزهد) وهو الرابع من الربع الرابع الموسوم "بالمنجيات" من كتب الإمام حجة الإسلام قطب الأئمة الأعلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي تغمده الله بغفرانه وأسكنه بحبوحة جناته .

سلكت فيه طريق الإيضاح لحل ألفاظه الأنيقة الرائقة، وفك معانيها البديعة الشائقة بحيث تسفر مطالبه وتعذب مشاربه وتورق أغصان آماله وتطلع كواكب إقباله، وتظهر منه خبايا الأسرار، وتبدو حفايا حقائقه من وراء الأستار; شافي بيانه تلين به جلامد القلوب القاسية، وصادق برهانه تتصدع به أفئدة النفوس القاصية، وعلى الله الكريم جل شأنه مساعفة الآمال وحسن التسديد في الأقوال والأفعال .

قال المصنف - رحمه الله - تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تسبح له الرمال) جمع: الرمل معروف. والتسبيح تنزيه الله تعالى وأصله المر السريع في العبادة، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الإبعاد في الشر، فقيل: أبعده الله، وجعل التسبيح عاما في العبادات، قولا كان أو فعلا أو نية، وقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم كقوله ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال وإليه أشار المصنف بقوله (وتسجد له الظلال) جمع ظل هو الفيء، وقيل: أعم من الفيء ويجمع أيضا على أظلال وظلول وأظلة، والأخير جمع الجمع، وهذا يقتضي أن يكون تسبيحا على الحقيقة وسجودا له على وجه لا نفقهه بدلالة قوله: ولكن لا تفقهون تسبيحهم ودلالة قوله: ومن فيهن بعد ذكر السموات والأرض، ولا يصح أن يكون تقديره: يسبح له من في السموات ويسجد له من في السموات; لأن هذا [ ص: 264 ] مما نفقهه; ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطف بقوله: "ومن فيهن" .

والأشياء تسبح وتسجد بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار، ولا خلاف في أن السموات والأرض والدواب مسبحات بالتسخير من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في الأرض هل تسبح باختيار؟ الآية تقتضي ذلك وقوله تعالى: يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون أي: إنشاؤه يدل على وحدانية الله وينبئ عن حكمته .

وقال الحسن في قوله تعالى: وظلالهم بالغدو والآصال أما ظلك فيسجد وأما أنت فتكفر به (وتتدكدك من هيبته الجبال) أي: تندق وتنهدم حتى تصير بمنزلة الأرض اللينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وإن منها لما يهبط من خشية الله .

(خلق الإنسان) أي: آدم - عليه السلام - وبنوه (من الطين اللازب) أي: اللاصق تقول: منه لزب لزوبا، وهو ما قال الله تعالى: إنا خلقناهم من طين لازب (والصلصال) وهو الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل، إذا جف فإذا طبخ بالنار فهو الفخار، وقيل: هو الطين المنتن من قولهم: صل اللحم إذا تغيرت رائحته، وإلى كل منهما الإشارة بقوله تعالى: خلق الإنسان من صلصال كالفخار وقوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون وقيل: صلصال أصله صلال فقلبت إحدى اللامين صادا .

(وزين صورته) وهي ما تنتقش به الأعيان وتتميز به عن غيرها، وذلك ضربان: أحدهما: محسوس تدركه الخاصة فقط كالصورة التي اختص بها الإنسان من العقل والفهم والرؤية والمعاني التي خص بها، وكانتصاب القامة الدال على استيلائه على كل ما في العالم (بأحسن تقويم وأتم اعتدال) وإليه الإشارة بقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وتقويم الشيء تثقيفه والاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل (وعصم قلبه بنور الهداية) أي: حفظه به (عن ورطات الضلال) أي: من الوقوع فيها كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه والورطات محركة جمع الورطة بسكون الراء، اسم لما ضاق وشق وقد يعبر بها عن الهلاك، والأصل فيها الوحل يقع فيه الغنم فلا يقدر على التخلص، وقيل: أصلها أرض مطمئنة لا طريق فيها يرشد إلى الخلاص، والضلال العدول عن الطريق المستقيم عمدا أو سهوا قليلا أو كثيرا .

(وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو والآصال) وهو إيتاء الصلوات الخمس فإنه طاعة المولى - عز وجل - وخدمته ومن سهل له فيه فقد أذن في قرع باب خدمته (ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته) بأن لم يشرك فيها أحدا سواه (بنور العبرة) اسم من الاعتبار (حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال) فالحق تعالى بذاته نور لا يدرك، ويدرك به، ومن حيث أسماؤه نور يدرك به فإذا تجلى للقلب من حيث كونه يدرك شاهدت البصيرة المنورة الأغيار بنوره، فإن الأنوار الاسمائية من حيث تعلقها بالكون مخالطة بسواه .

(فلاح له من البهجة) أي: حسن اللون وظهور السرور، (والبهاء) أي: الجمال وحسن الهيئة، (والكمال) أي: الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد (ما استقبح دون مبادي إشراقه) أي: فيما يشرق من أنواره في أوائله (كل حسن وجمال) صار مشاهدا له في الظاهر (واستثقل كل ما صرفه) أي: منعه وحجبه (عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال) أي: عده ثقيلا إلى الغاية ما هو شأن كل صارف عن الشهود .

(وتمثل له ظاهر الدنيا) فيما يراه بعين البصر (في صورة امرأة جميلة) حسناء (تميس) في بردها (وتختال) أي: تعجب بنفسها مرحا (وانكشف له باطنها) بعين البصيرة عن (عجوز شوهاء) قبيحة الخلقة هتماء (عجنت من طينة الخزي) أي: الذل والانكسار والهوان (وضربت في قالب النكال) أي: طبعت عليه والقالب بفتح اللام ومنهم من يكسرها والنكال العقوبة الغليظة (وهي متلفعة بجلبابها) يقال تلفعت المرأة بمرطها مثل تلحفت زنة ومعنى، والتفعت كذلك (لتخفي قبائح أسرارها بلطائف السحر) أي: الخداع والتخيلات التي لا حقيقة لها، (والاحتيال) افتعال من الحيلة وهي ما يتوصل به إلى حالة ما من خفية، وكثر استعماله فيما في تعاطيه خبث (وقد نصبت حبائلها) جمع حبيلة وهي الأحبولة التي ينصبها الصائد (في مدارج الرجال) أي: في مسالكهم [ ص: 265 ] حيث يدرجون (فهي تقتنصهم بضروب) أي: أنواع (المكر) أي: الخداع (والاغتيال) افتعال من الغيلة بالكسر وهو الأخذ على غرة (ثم لا تجزي) أي: لا تكتفي (معهم بالخلف في مواعيد الوصال) أي: تعدهم بوصالها وتمنيهم، ثم تخلف موعدها معهم ويا ليتها لو اكتفت على هذا القدر لا (بل تقيدهم مع قطع) حبال (الوصال بالسلاسل والأغلال) جمع غل بالضم وهو طوق من حديد يجعل في العنق (وتبليهم بأنواع البلايا والنكال) جمع نكل بالكسر: القيد الشديد، أو جمع نكلة بالضم: ما نكلت به غيرك كائنا ما كان .

(فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار) مما تبطنه (والأفعال) مما تظهره (زهدوا فيها) أي: رغبوا عنها يقال: زهد في الشيء زهدا وزهادة إذا رغب عنه (زهد المبغض لها) العارف بقبائحها (فتركوها) ولم يلتفتوا إليها (وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال وأقبلوا بكنه هممهم) أي: خالصها (على حضرة الجلال) وهي حضرة الحق سبحانه باعتبار احتجابه عنا بعزته (واثقين منها بوصال) دائم (ليس دونه انفصال) أي: انقطاع (ومشاهدة أبدية) أي: مطالعة لصورة الجمال بصفة الدوام (لا يعتريها فناء ولا زوال) أي: نقصان عن حدها، وإلا فقد يقع التفات إلى ما ارتقى عنه من مقام فيكون غينا على القلب، (والصلاة) الكاملة (على سيدنا) ومولانا (محمد) أبي القاسم (وعلى آله) وصحبه (خير) صحب (وآل) وسلم تسليما كثيرا .

(أما بعد، فإن الدنيا عدوة لله - عز وجل -) وعدوة لأوليائه كما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى بعض ولاته، وقد تقدم في كتاب ذم الدنيا (بغرورها ضل من ضل) عن الصراط المستقيم (وبمكرها) أي: خداعها (زل من زل) عن المنهج القويم (فحبها رأس الخطايا والسيئات) كما ورد في الخبر: حب الدنيا رأس كل خطيئة، ويرى ذلك أيضا من قول عيسى عليه السلام، وقد تقدم .

(و) إنما كان كذلك; لأنه أساسها فينبغي في دليله أن يكون (بغضها أم الطاعات وأس القربات) ولكن لا يسع العامة لأنهم مرادون بالعمارة وصلح ذلك لنفر من الخاصة; لأن نقصان عددهم من الكافة لا ينقص عمارة الدنيا، إذ المراد عمارتها بأهلها من أهل الهوى والشهوات .

(وقد استقصينا ما يتعلق بوصفها وذم الحب لها في كتاب ذم الدنيا من ربع المهلكات) ، فليراجع هناك .

(ونحن الآن نذكر فضل البغض لها والزهد فيها فإنه رأس المنجيات) وأساسها (فلا مطمع في النجاة إلا بالانقطاع عن الدنيا) أي: عن أعراضها (والبعد منها ولكن مقاطعتها) لا تخلو (إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا وإما بانزواء العبد عنها ويسمى ذلك زهدا، ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات) الأخروية (وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة، ونحن الآن نذكر حقيقة الفقر والزهد ودرجاتهما وأقسامهما وشروطهما وأحكامهما، ونذكر الفقر في شطر من الكتاب والزهد في شطر آخر منه، ونبدأ بذكر الفقر) .

وإنما بدأ بذكر الفقر بناء على تقدم وجود أصله في كل مخلوق كما يشير إليه قوله تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء والزهد عارض من جهة عدم ميله إلى الغنى المضر لوصول نيله .

التالي السابق


الخدمات العلمية