إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا ؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات .

وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار وهذا ، كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول إنه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد ، وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقه فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد وباعتبارات أخر سواه كثير وبعضها أشد كثرة من بعض ومثاله الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحدا ويستبين بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لم تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب وإن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنك إذا آمنت بالنبوة وإن لم تكن نبيا كان لك نصيب منه بقدر قوة إيمانك .

وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم وتارة تطرأ كالبرق الخاطف وهو الأكثر والدوام نادر عزيز وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال فيما إذا أنت ؟ فقال : أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل وقد كان من المتوكلين فقال الحسين قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد فطالبه بالمقام الرابع فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الإجمال .


(فإن قلت: كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب) فيطلع عليه من ليس بأهل لمزاولتها فيقع في وحله لا يكاد يتخلص منها (فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر) وقد نسب هذا القول لسهل التستري وقيل لأبي يزيد البسطامي، وهي من جملة الأسئلة التي سئل عنها المصنف وأجاب عنها في كتاب سماه الإملاء على مشكلات الحياة قال فيه في تقرير السؤال وما معنى قول من تقدم من أهل هذا الشأن إفشاء سر الربوبية كفر وأين أصل ما قالوه في الشرع إذ الإيمان والكفر والهداية والضلال والتقريب والتبعيد والصديقية وسائر مقامات الولاية ودركات المخالفة إنما هي مآخذ شرعية وأحكام نبوية .

فقال في الجواب عنه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون المراد به كفرا دون كفر ويسمى ذلك تغليظا لما أتى به المفشي وتعظيما لما ارتكبه ويعترض هذا بأن يقال لا يسمى هذا كفرا; لأنه ضد الكفر إذ الكافر الذي يسمى هذا على معناه ساتر وهذا المفشي للسر ناشر وأين النشر من الستر والإظهار من التغطية والإعلان من الكتم، واندفاع هذا بان يقال ليس الكفر الشرعي تابعا للاشتقاق وإنما هو حكم بمخالفة الأمر وارتكاب النهي فمن رد إحسان محسن أو جحد نعمة متفضل فيقال عليه كافر لجهتين: إحداهما: لجهة الاشتقاق ويكون إذ ذاك اسما يبنى على وصف، والثانية من جهة الشرع ويكون إذ ذاك حكما يوجب [ ص: 393 ] عقوبة، والشرع قد ورد بشكر المنعم فافهم لا تذهب مع الألفاظ ولا تسترقك العبارات ولا تحجبك التسميات وتفطن لخداعها، واحترس من استدراجها فإذا من أظهر ما أمر بكتمه كان كمن كتم ما أمر بنشره وفي مخالفة الأمر فيهما حكم واحد على هذا الاعتبار .

ويدل على ذلك من جهة الشرع قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم. وفي ارتكاب النهي عصيان ويسمى في باب القياس على المذكور كفرانا .

والوجه الثاني: أن يكون معناه كفر السامع لا المخبر بخلاف الوجه الأول ويكون هذا مطابقا للحديث المذكور: "لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله" فمن حدث أحدا بما لم يصله عقله ربما سارع إلى التكذيب وهو الأكثر، ومن كذب بقدرة الله تعالى وبما أوجد بها فقد كفر ولو لم يقصد الكفر فإن أكثر اليهود والنصارى وسائر النحل ما قصدت الكفر إلا بظنها بأنفسها وهي كفار بلا ريب .

وهذا وجه واضح قريب ولا يلتفت إلى ما مال إليه بعض من لا يعرف وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكم ولا الراسخين في العلم إذ ظن أن قائل ذلك أراد الكفر الذي هو نقيض الإيمان والإسلام يتعلق بمخبره ويلحق قائله، وهذا لا يخرج إلا على مذاهب أهل الأهواء الذين يكفرون بالمعاصي وأهل السنن لا يرضون بذلك، وكيف يقال لمن آمن بالله واليوم الآخر وعبد الله تعالى بالقول الذي يبرمه والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه .. .

والكفر الذي يستزيد به إيمانا والمعرفة له سبحانه ثم يكرمه الله تعالى ذلك بفوائد المزيد وينيله ما شرف من المنح ويريه أعلام الرضا ثم يكفره أحد بغير شرع ولا قياس عليه، والإيمان لا يخرج عنه إلا بنبذه واطراحه وتركه، واعتقاد ما لا يتم الإيمان معه، ولا يحصل بمقارنته وليس في إفشاء الولي مما يناقض الإيمان، اللهم إلا أن يريد بإفشائه وقوع الكفر من السامع له فهذا عابس متمرد وليس بولي ومن أراد من خلق الله أن يكفر بالله فهو لا محالة كافر، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .

ثم إنه من سب أحدا منهم على معنى ما يجد له من العداوة والبغضاء قيل له أثمت وأخطأت من غير تكفير وإن كان إنما فعل ذلك ليسمع سب الله وسب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر بالإجماع انتهى نص الإملاء .

(ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة نعم ذر ما يكسر سورة استبعادك ممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار هذا، كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسمه وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ تقول إنه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد، وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفرق وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة) .

قال القشيري: من أثبت نفسه وأثبت الخلق ولكن شاهدا لكل قائما بالحق فهذا هو الجمع، وإذا كان مختطفا عن شهود الخلق مصطلما عن نفسه مأخوذا بالكلية عن الإحساس بكل غير بما ظهر واستوى من سلطان الحقيقة فذلك جمع الجمع، فالتفرقة شهود الأغيار لله والجمع شهود الأغيار بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى الله عند غلبات الحقيقة. انتهى .

(فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة وهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد باعتبارات أخر سواها كثير بعضها أشد كثرة من بعض ومثال الإنسان) في الكثرة والوحدة (وإن كان لا يطابق الغرض) الذي هو إثبات الغناء في التوحيد (ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحدا وتستفيد بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لم تبلغه) لقصورك (وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد) الذي هو الغاية القصوى (نصيب) وحظ (وإن لم يكن ما آمنت به صفتك) ومقامك (كما أنك إذا آمنت بالنبوة) وهو أعلى مقامات السالكين (وإن لم تكن نبيا) متحققا بهذا [ ص: 394 ] المقام (كان لك نصيب منه بقدر قوة إيمانك) به وتصديقك له وعدم إنكارك عليه (وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق) وهو مقام الفناء بشهود الفناء بالاستهلاك في وجود الحق (تارة تدوم) في سائر الأحوال (وتارة تظهر كالبرق الخاطف) ثم تغيب (وهو الأكثر) في أحوال السالكين (والدوام نادر عزيز) لكنها إذا غابت بقيت آثارها فصاحبها بعد سكون غليانه يعيش في بركات ضيائها إلى أن تلوح ثانية يزجي وقته على انتظار عودها ويعيش بما وجد في حين كونه (وإلى هذا أشار) أبو المغيث (الحسين) بن منصور (الحلاج) - رحمه الله تعالى - (حيث رأى) إبراهيم بن أحمد (الخواص) - رحمه الله تعالى - (يدور في الأسفار) وقد ذكر صاحب القوت له العجائب مما وقعت له في أسفاره (فقال) له (فيما أنت؟ فقال: أدور في الأسفار لا صحيح حالي في التوكل وقد كان من) نبلاء (المتوكلين) وله كتاب في تحقيق مقامات التوكل (فقال الحسين قد أفنيت عمرك في عمران باطنك) أي: في مشاهدة الخلق قائما بالحق (فأين) أنت من (الفناء في التوحيد) .

رواه القشيري قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: قال الحسين بن منصور لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في هذه الأسفار وقطع هذه المفاوز؟ قال: بقيت في التوكل لأصحح نفسي عليه، فقال الحسين: أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد. اهـ .

(فكأن الخواص) - رحمه الله تعالى - (كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد فطالبه) الحلاج (بالمقام الرابع) الذي هو آخر المقامات فيه وكأنه شم من الخواص التفاتا لما أقيم فيه فنبهه على أن المقصود وراء ذلك (فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الإجمال) .

وقد اعترض على المصنف في تقسيمه لهذه المقامات وأجاب عنه وهذا لفظه في الإملاء: ذكرت رزقك ذكره وجعلك تعقل بهيبته وأمره كيف جاز انقسام التوحيد على أربع مراتب، ولفظة التوحيد تنافي التقسيم المشهور كما ينافى التكرير بالتعديد، وإن صح انقسامه على وجه لا يدفع فهل تصح تلك القسمة فيما يوجد وفيما يقدر؟ ورغبت في مزيد البيان في تحقيق كل مرتبة وانقسام طبقات أهلها فيها وإن كان يقع بينهم التفاوت، وما وجه تمثيلها بالجوز والقشور واللبوب؟ ولم كان الأول لا ينفع والآخر الذي هو الرابع لا يحل إفشاؤه؟ .

ثم ساق الأسئلة بتمامها ثم قال في الجواب ما لفظه: جرى الرسم في الإحياء بتقسيم التوحيد على أربع مراتب تشبيها بالجوز لموافقة الغرض في التمثيل به وذكر بأن المعترض وسوس بالخواطر بأن لفظ التوحيد ينافي التقسيم، إذ لا يخلو أن يتعلق بلفظ الواحد الذي ليس بزائد عليه فذلك لا ينقسم لا بالحس ولا بالعقل ولا بغير ذلك .

وأما أن يتعلق بوصف المكلفين الذي يوجب لهم حكمهم إذا وجد فيهم فذلك لا ينقسم من حيث انتسابهم إليه بالعقد وذلك لضيق المجال فيه، ولهذا لا تتصور فيه مذاهب، وإنما التوحيد مسلك حق بين مسلكين باطلين: أحدهما شرك والآخر تلاش، وكلا الطرفين كفر، والوسط إيمان محض وهو أحد من السيف وأضيق من خط الظل، ولهذا قال أكثر المتكلمين بتماثل إيمان جميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والمرسلين وسائر عموم المسلمين، وإنما تختلف طرق إيمانهم التي هي علومهم ومذهبهم في ذلك معروف ونحن لا نسلم في هذه الإجابة بشيء من أنحاء الجدال ومقابلة الأقوال بالأقوال بل نقصد إزالة عين الإشكال ورد ما طعن به أهل الضلال والإضلال .

فاعلم أن التقسيم في الإطلاق يستعمل أنحاء لا يتوجه ههنا بشيء مما قدح به المعترض وهجس به الخاطر وإنما المستعمل ههنا من أنحائه ما يتميز به بعض الأشخاص بما اختص به من الأحوال وكل حالة منها تسمى توحيدا على جهة ينفرد بها لا يشاركها فيها غيرها، فمن وحد بلسانه سمي لأجله موحدا ما دام الظن به إن كان قلبه موافقا للسانه، وإن علم منه خلاف ذلك سلب عنه الاسم وأقيم عليه ما شرع من الحكم، ومن وحد بقلبه على طريق الركون إليه والميل إلى اعتقاده والسكون نحوه بلا علم يصحبه فيه ولا برهان يربطه به سمي أيضا موحدا على معنى أنه يعتقد التوحيد، كما يسمى من يعتقد مذهب الشافعي شافعيا والحنبلي حنبليا، ومن رزق علم التوحيد وما تحقق به عنده وتنتفي من أجله شكوكه العارضة له فيسمى موحدا من جهة أنه عارف به، كما يقال جدليا ونحويا وفقهيا ومعناه أي: [ ص: 395 ] يعرف الجدل والنحو والفقه، وأما من استغرق علم التوحيد قلبه واستولى على جملته حتى لا يوجد فيه فضل لغيره إلا على طريق التبعية ويكون شهود التوحيد لكل ما عداه سابقا له مع الذكر والتذكير مصاحبا من غير أن يعتريه ذهول عنه ولا نسيان له لأجل اشتغاله بغيره كالعادة في سائر العلوم، فهذا يسمى موحدا ويكون القصد بما يسمى به من ذلك المبالغة فيه .

فهذه أربع مراتب يصح إطلاق اسم التوحيد عليها .

فأما الصنف الأول: وهم أرباب النطق المجرد فلا يضربون في التوحيد بسهم ولا يفوزون منه بنصيب ولا يكون لهم شيء من أحكام أهله إلا في الحياة الأولى إذ الظن بهم أن قلب أحدهم موافق للسانه، كما نعيد القول عليه بعد هذا إن شاء الله - عز وجل - .

وأما الصنف الثاني: وهم أرباب الاعتقاد الذين سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الوارث أو المبلغ يخبر عن توحيد الله - عز وجل - ويأمر به ويلزم البشر قول: "لا إله إلا الله" المنبي عنه فقبلوا ذلك واعتقدوه على الجملة من غير تفصيل ولا دليل فنسبوه إلى التوحيد، فكانوا من أهله بمنزلة مولى القوم الذي هو منهم وبمنزلة من كثر سواد قوم فهو منهم .

وأما الصنف الثالث والرابع: فهم أرباب البصائر السليمة الذين نظروا بها إلى أنفسهم ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها فرأوا على كل نوع منها خطا منطبعا فيها ليس بعربي ولا سرياني ولا عبراني ولا غير ذلك من أجناس الخطوط فبادر إلى قراءته من لم يستعجم عليه، وتعلمه منهم من استعجم عليه، فإذا هو الخط الإلهي المكتوب على صفحة كل مخلوق المنطبع فيه من مفرد ومركب وصفة وموصوف وحجر وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن ومظلم ونير وهو الذي يسمى تارة بعلامة وتارة بسمة وتارة بأثر القدرة وتارة بآية كما قال الشاعر، ولا أدري عن سماع أو رؤية قلب:


فواعجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده جاحد     وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد



فلما قرءوا ذلك الخط وجدوا تفسيره: حدوث المكتوب وشرحه أبدية ملكه والتصريف له بالقدرة على حكم الإرادة بما ثبت في سابق العلم من غير مزيد ولا نقص، فتركوا الكتابة والمكتوب ونزلوا منها إلى معرفة الكاتب الذي أحدث الأشياء وكونها ولم يخرج عن ملكه شيء منها ولا استغنت بأنفسها عن حوله وقوته طرفة عين، ولا أقل من ذلك ولا افتقرت إلى الحرية عن رق استعباده فوجدوه كما وصف نفسه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

فحصلت التفرقة لهم والجمع وعقلت نفس كل واحد منهم توحيد خالقها بذاته واتحاده عن غيره، وعقلت أنها عقلت توحيده، سبحان من يسرها لذلك وفتح عليها بما ليس في وسعها أن تدركه إلا به وهو اللطيف الخبير، لكن الصنف الثاني لم يعد كل منهم أن عرف نفسه موحدا لربه فيما لم يزل وهم الصديقون وبينهما تفاوت كثير .

وأما طريق معرفة صحة هذا التقسيم فلأن العقلاء بأسرهم لا يخلو كل واحد منهم أن يوجد فيه أثر التوحيد بأحد الأنحاء المذكورة عنده أو لا يوجد، فأما من عدم عنده فهو كافر إن كان في زمن الدعوة أو على أقرب يمكن وصول عملها إليه، أو في فترة لا يتوجه عليه فيها التكليف وهذا صنف بعد عن مقام هذا الكلام، وأما من يوجد فيه فلا يخلو أن يكون مقلدا في عقده أو عالما به فالمقلدون هم العوام وهم أهل المرتبة الثانية في الكتاب .

وأما العلماء بحقيقة عقدهم فلا يخلو كل واحد منهم أن يكون بلغ الغاية التي أعدت لصنفه دون النبوة أو لم يبلغ لكنه قريب من البلوغ فالذي لم يبلغ وكان على قرب هم المقربون وهم أهل المرتبة الثالثة والذين بلغوا الغاية التي أعدت لهم هم الصديقون وهم أهل المرتبة الرابعة .

وهذا تقسيم ظاهر الصحة إذ هو دائر بين النفي والإثبات ومحصور بين المبادي والغايات ولم يدخل أهل المرتبة الأولى في شيء من تصحيح هذا التقسيم إذ ليس هو من أهله إلا بانتساب كاذب ودعوى غير صادقة، ثم لا بد من الوفاء بما وعدناك به من إبداء بحث ومزيد شرح وبسط بيان تعرف منه بإذن الله تعالى حقيقة كل مرتبة ومقام وانقسام أهله فيه بحسب الطاقة والإمكان بما يجريه الواحد الحق على القلب واللسان .

[ ص: 396 ] (بيان أهل النطق المجرد وتمييز فرقهم) .

اعلم أن أرباب النطق المجرد أربعة أصناف: أحدهم: نطقوا بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم لم يعتقدوا معنى ما نطقوا به لما لم يعلموه ولا تصوروا صحته ولا فساده ولا صدقه ولا كذبه ولا خطأه ولا صوابه، إذ لم يبحثوا عليه ولا أرادوا فهمه .

إما لبعد همتهم وقلة اكتراثهم وإما لنفورهم عن البحث وخوفهم أنهم إن تكلفوا البحث عما نطقوا به أن يبدو لهم ما يلزمهم الاعتقاد والعمل وما بعد ذلك، فإن التزموه فارقوا راحة أبدانهم العاجلة وفراغ أنفسهم وإن لم يلتزموا شيئا من ذلك وقد حصل لهم العلم فيكون عيشهم منغصا وملاذهم مكدرة من خوف عقاب ترك ما علموا لزومه .

فإذا سئل هذا الصنف عن معنى ما نطقوا به هل اعتقدوه؟ فيقولون: لا نعلم فيه ما نعتقد وما دعانا إلى النطق به شيء إلا مساعدة الجماهير وانخراطنا بإظهار القول في الجم الغفير، ولا نعرف هل ما قلناه بالحقيقة من قبيل العرف أو النكير؟

ولا شك أن هذا الصنف الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حالة مساءلة الملكين أحدهم في القبر إذ يقولان له: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقولون له: لا دريت ولا تليت وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - الشاك والمرتاب .

الصنف الثاني: نطقوا كما نطق الذين من قبلهم ولكنهم أضافوا إلى قولهم ما لا يحصل معه الإيمان ولا ينتظم به معنى التوحيد وذلك ما قالت السبئية طائفة من الشيعة القدماء: إن عليا - رضي الله عنه - هو الإله وبلغ أمرهم عليا - رضي الله عنه - وكانوا في زمنه فحرق منهم جماعة .

وأمثال من نطق بالشهادتين كثيرا ثم صحب نطقه مثل هذا النكير ويسمون الزنادقة وهم في النار كما في الخبر .

الصنف الثالث: نطقوا كما نطق الصنفان المذكوران قبلهم ولكنهم أسروا التكذيب واعتقدوا الرد واستبطنوا خلاف ما ظهر منهم من الإقرار وإذا رجعوا إلى أهل الإلحاد أعلنوا عندهم بكلمة الكفر، فهؤلاء المنافقون الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون .

الصنف الرابع: قوم لا يعرفون التوحيد ولا نشئوا عليه ولا عرفوا أهله ولا سكنوا بين أظهرهم ولكنهم حين وصلوا إلينا أو وصل أحد منا إليهم خوطبوا بالأمر المقتضي للنطق بالشهادتين والإقرار بهما قالوا: لا نعلم مقتضى هذا اللفظ، ولا نعقل معنى المأمور به النطق، وأمروا أن يظهروا الرضا بالقول ثم يتفهموا بمهلة فسكنوا إلى ما قيل لهم ونطقوا بالشهادتين ظاهرا وهم على الجهل بما يعتقدون، وإن اخترم أحد منهم من حينه من قبل أن يأتي منه استفهام أو تصور يمكن أن يكون له معتقدا فهذا يرجى أن لا تضيق عنه سعة رحمته تعالى والحكم عليه بالنار والخلود فيها مع الكفار تحكم على غيب الله تعالى .

وربما كان من هذا الصنف في الحكم عند الله - عز وجل - قوم رزقوا بعد الفهم وغيب الذهن وفرط البلادة أن يدعوا إلى النطق فيجيبوا مساعدة ومحاكاة ثم يدعوا إلى تفهم المعنى من كل وجه فلا يأتي منه قول لما يعرض عليهم تفهيمه كأنما يخاطب بهيمة، ومثل هذا أيضا في الوجود كثير، ولا حكم على مثله بخلود في النار .

ولا يبعد أن يكون مع هذا الصنف بأسره أعني المخترم قبل تحصيل العقد مع هذا البليد البعيد بعض من ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة فيخرج من النار أقواما لم يعملوا حسنة قط ويدخلون الجنة وتكون في أعناقهم سمات ويسمون عتقاء الله، والحديث فيه طول وهو صحيح وإنما اختصرت منه قدر الحاجة على المعنى .

وحكم الصنف الأول والثاني والثالث أجمعين أعني أهل النطق المذكورين قبل في التوحيد أن لا تجب لهم حرمة ولا تكون لهم عصمة ولا ينسبون إلى إيمان ولا إسلام بل هم أجمعون من زمرة الكافرين وجملة الهالكين، فإن عثر عليهم في الدنيا قتلوا فيها بسيوف الموحدين، وإن لم يعثر عليهم فهم صائرون إلى جهنم خالدون فيها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون .

فصل

ولما كان اللفظ المنبئ عن التوحيد إذا انفرد عن العقد وتجرد عنه لم يقع له في حكم الشرع منفعة ولا لصاحبه بسببه نجاة إلا مدة حياته عن السيف أن يراق دمه واليدان تسلط على ماله إذ لم يعلم خفي حاله، حسن أن يشبه بقشرة الجوز الأعلى فهو لا يحمل في الأكمام ولا يرفع إلى البيوت ولا يحضر في مجالس الطعام [ ص: 397 ] ولا تشتهيه النفوس إلا ما دام منطويا على مطعمه صوانا على لبه، فإذا أزيل عنه بكسر أو علم منه أنه منطو على فراغ أو سوس أو طعم فاسد لم يصلح لشيء ولم يبق فيه غرض لأحد وهذا الإخفاء لصحته .

والغرض بالتمثيل تقريب ما غمض إلى فكر الطالب وتسهيل ما اعتاص على المتعلم والسامع وليس من شرط المثال أن يكون مطابقا للممثل به من كل الوجوه، فكان يكون هو هو ولكنه من شرطه أن يكون مطابقا للوجه المراد منه .

(فصل)

وأما الاعتقاد المجرد عن تحصينه بالعلم وتوثيقه بالأدلة وشدة البراهين فقد انقسموا في الوجود إلى ثلاثة أصناف أحدهم صنف اعتقدوا مضمون ما أقروا به وحشوا به قلوبهم من غير ترديد ولا تكذيب أسروه في نفوسهم ولكنهم غير عارفين باستدلال ما اعتقدوه وذلك لفرط بعدهم وغلظ طبائعهم واعتياص طرق ذلك عليهم ويقع عليهم اسم موحدين .

وتحققنا وجود أمثالهم كثيرا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالحين ثم لم يبلغنا أنه اعترض أحد إسلامهم ولا أوجب عليهم الخروج منه والمروق عنه، ولا كلفوا مع قصورهم وبعدهم عن فهم ذلك بعلم الأدلة وقراءة طرق البراهين وترتيب الحجاج بل تركوا على ما هم عليه وهؤلاء عندي معذورون ببعدهم ومقبولون بما توافقوا عليه من إقرارهم وعقدهم والله تعالى قد عذرهم مع غيرهم بقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يخرجون عن مقتضى هذه الآية بحال. وسنبدي طريقا من الاعتقاد تعرف صحة إسلامهم وسلامة توحيدهم إن شاء الله تعالى .

الصنف الثاني اعتقدوا الحق مع ما ظهر منهم من النطق واعتقدوا إلى ذلك أنواعا من المخايل قام في نفوسهم أنها أدلة وطنوها براهين وليست كذلك وقد وقع في هذا كثير ممن يشار إليه فضلا من دونهم، فإن وقع إلى هذا الصنف من يزعزع عنهم تلك المخايل بالقدح ويبطلها عليهم بالمعارضة والاعتراض لم يلتفتوا إليه ولا أصغوا إلى ما يأتي به ويترفعوا أن يجاوبوه لما يحملون عليه من سوء الفهم أو رداءة الاعتقاد، وعندهم أن جميع تلك المخايل في باب الاستدلال أرسخ من شواهد الجبال، فمنهم من يعتقد دليله مذهب شيخه الرفيع القدر المطلع على العلوم ومنهم من يكون دليله خبر آحاد، ومنهم من يكون دليله بعض محتملات آية وحديث صحيح ولعمري أنه لينبغي إذا صادفوا السنة باعتقادهم ولم يقعوا في شيء من الضلال أن يتركوا على ما هم عليه ولا يحركوا بأمر آخر بل يغبطوا بذلك ويسلم لهم; لئلا يكونوا إذا تتبع الحال معهم ربما تلقفوا شبهة ورسخ في نفوسهم بدعة يعسر انحلالها أو يقع في تكفير مسلم أو تضليله بلا سبب كبير .

وهؤلاء أثبت إيمانا من الصنف الأول وأوثق رباطا منهم وأحسن حالا .

الصنف الثالث: أقروا واعتقدوا كما فعل الذين من قبلهم وقد عدموا العلم أيضا ولكن لعدم سلوكهم سبيله من القدرة عليه ومعهم من الذكاء والفطنة والتيقظ ما لو نظروا لعلموا ولو استدلوا لتحققوا ولو طلبوا لأدركوا سبيل المعارف ووصلوا ولكنهم آثروا الراحة ومالوا إلى الدعة واستبعدوا طريق العلم واستثقلوا الأعمال الموصلة إليه وقنعوا بالقعود في حضيض الجهل فهؤلاء فيهم إشكال عند كثير من الناس في البديهة وتردد، وفي حالهم نظر وهل يسمون عصاة وغير ذلك مما يحتاج إلى تمييز آخر ليس هذا مقامه .

والالتفات إلى هذا الصنف أوجب خلاف المتكلمين في العوام من غير تفريق بين بليد بعيد ومتيقظ فطن، فمنهم من لم ير أنهم مؤمنون ولكن لم يحفظ عنهم إطلاق اسم الكفر عليهم، ومنهم من أوجب لهم الإيمان ولكن أوجب عليهم المعرفة وقدرها لهم وعجزهم عن العبارة، ووجوب العبارة في الشرع ساقط على هذا النحو، وهؤلاء لم يخالفوا المذكورين قبلهم; لأن أولئك سلبوا الإيمان عمن لم يصدر اعتقاده عن دليل وهؤلاء أوجبوا الإيمان لمن أضافوا إليه المعرفة المشروطة في صحة الإيمان وإنما فروا عن الشفاعة الظاهرة فتستروا عن الجمهور بهذا الاحتمال .

ومنهم من أوجب لهم الإيمان مع عدم المعرفة المشروطة عند أولئك وأي الآراء أحق بالحق وأولى بالصواب ليس من غرضنا في هذا الموضوع وإنما غرضنا تقييد ما أشاعه في الإحياء أهل الغلو والإغلاء فلا تفتح مثل هذا الباب وقد أبدينا وجه ذلك في مراقي الزيف ما يغني فيها بإذن الله تعالى .

[ ص: 398 ] (فصل)

بقي في أصناف هذا الاعتقاد تفصيل آخر من جهة أخرى، وهو من تتمة ما مضى فلتعلم أن ما منهم صنف إلا وله على التقريب ثلاثة أحوال لا يستبد أحدهم عن أحدهما بحكم الاحتمال الضروري:

فأحد الحالات لهم أن يعتقد أحدهم جميع أركان الإيمان على ما يكمل عليه في الغالب لكنه على طريق التقليد التقليد كما سبق .

الحالة الثانية: أن لا يعتقد إلا بعض الأركان مما فيه خلاف إذا انفرد ولم ينضف إليه في اعتقاده سواه هل يكون به مؤمنا أو مسلما، مثل أن يعتقد وجود الواحد فقط أو يعتقد أنه موجود حي لا غير وأمثال هذه التقديرات ويخلو عن اعتقاد باقي الصفات خلوا كاملا لا يخطر بباله ولا يعتقد فيها حقا ولا باطلا ولا صوابا ولا خطأ ولكن القدر الذي اعتقده من الأركان مواف للحق غير مشوب بغيره .

الحالة الثالثة: أن يعتقد الوجود كما قلنا أو الوجود والوحدانية والحياة ويكون فيما يعتقده في باقي الصفات على ما لا يوافق الحق بما هو بدعة أو ضلالة وليس بكفر صراح .

فالذي يدل عليه العلم ويستنبط من ظواهر الشرع أن أرباب الحالة الأولى والله أعلم على سبيل نجاة ومسلك خاص ووصف إيمان وإسلام وسواء في ذلك الصنف الأول والثاني من أهل الاعتقاد يبقى الصنف الثالث على محتملات النظر كما نبهناك عليه وأما أهل الحالة الثانية فالمتقدمون من السلف لم يشتهر عنهم في صورة هذه المسألة ما يخرج صاحب هذا العقد عن حكم الإيمان أو الإسلام، والمتأخرون مختلفون وكثير خاف أن يخرج من اعتقد وجود الله - عز وجل - وأظهر الإقرار به وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - من الإسلام .

ولا يبعد أن يكون كثير ممن أسلم من الأجلاف والرعيان وضعفاء النساء والأتباع هذا عقده بلا مزيد عليه والحكم على من هو بمثل هذا بالخلود في النار عسير جدا مع ثبوت الشرع بأنه من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة .

وأما أرباب الحالة الثالثة وهي اعتقاد المبتدعة في الصفات أو في بعضها فإن حكمنا بصحة إيمان أهل الحالة المذكورة قبل هذه وإسلامهم حققنا أمر هؤلاء فيما اعتقدوه إذ لم يقعوا فيه بوجه قصد يقطعهم عن اتصال العذر; لأن هؤلاء قد حصل لهم في العقد ما هو شرط الخلاص والنجاة من الهلاك الدائم وأصيبوا فيما وراء ذلك فإن أمكن ردهم في دار الدنيا وزجرهم عنه أن أظهروا التمنع عن الإقلاع والرجوع بالعقوبة المؤلمة دون قتل كان ذلك، وإن ماتوا فالموت لم يقصر بهم اعتقادهم عن أرباب الحالة الثانية المذكورة قبلهم والله أعلم بالناجي والهالك من خلقه والمطيع والعاصي من عباده .

(فصل)

ولما كان الاعتقاد المجرد عن العلم بصحته ضعيفا وتفرده عن المعرفة مريبا ألقي عليه شبه القشر الثاني من الجوز; لأن ذلك القشر يؤكل مع ما هو عليه صوان وإذا انفرد أمكن أن يكون طعاما للمحتاج وبلاغا للجائع وبالجملة فهو لمن لا شيء معه خير من فقده، وكذلك اعتقاد التوحيد وإن كان مجردا عن سبيل المعرفة وغير منوط بشيء من الأدلة ضعيفا فهو في الدنيا والآخرة وعند لقاء الله - عز وجل - خير من التعطيل والكفر .

بيان المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين

اعلم أن الكلام في هذا النوع من التوحيد له ثلاثة حدود:

أحدها: أن نتكلم في الأسباب التي توصل إليه والمسالك التي يعبر عليها نحوه والأحوال التي نتخذها لحصوله كما قدره العزيز العليم واختار ذلك ورضيه وسماه الصراط المستقيم .

والحد الثاني: أن يكون الكلام في تفسير ذلك التوحيد نفسه وحقيقته وكيف يتصور السالك إليه والطالب له قبل وصوله إليه وانكشافه له بالمشاهدة .

والحد الثالث: في ثمرات ذلك التوحيد وما يلقى أهله به ويطلعون عليه بسببه ويكرمون به لأجله ويتحققون من فوائد المزيد من جهته .

فأما الحد الأول فالكلام عليه والكشف لدقائقه والصغير والكبير مأمور به مشدد في أمره متوعد بالنار على كتمه وبه بعث الرسل وأنزلت الكتب، وجميعه محصور في اثنين: العلم بالعبرة والعمل بالسنة، وهما مبنيان على اثنين: الحرص الشديد والنية الخالصة، وشرط في تحصيلهما اثنان: نظافة الباطن وسلامة الجوارح، ويسمى جميع ذلك بعلم المعاملة .

وأما الحد الثاني فالكلام فيه أكثر ما يكون على طريقة ضرب الأمثال تنبيها بالرمز تارة وتارة بالتصريح ولكن على الجملة بما يناسب علوم الظواهر يشرف بذلك اللبيب الحاذق على بعض المراد ويفهم منه كثيرا من المقصد [ ص: 399 ] وينكشف له جل ما يشار إليه إذا كان سالما من شرك التعصب بعيدا عن هوة الهوى نظيفا من دنس التقليد .

وأما الحد الثالث فلا سبيل إلى ذكر شيء منه إلا مع أهله مع علمهم به على سبيل التذاكر لا على سبيل التعليم، والحد الأول قد تقرر علمه في كتب الرواية والدراية وهو غير محجوب عن طالب، قد أمر الجهال به أن يتعلموه والعلماء به أن يبذلوه فلا نعيد فيه ههنا قولا، وحكم الحد الثالث الكتم فلم يكن لنا سبيل إلى تعدي محدودات الشرع .

فلنثن العنان إلى الكلام بالذي يليق بهذا المقام فنقول: أرباب الفن الثالث في التوحيد وهم المقربون على ثلاثة أصناف على الجملة وكلهم نظروا إلى المخلوقات فرأوا علامات الحدوث فيها لائحة وعاينوا حالات الافتقار إلى المحدث عليها واضحة وسمعوا جميعها يدل على توحيده وتفريده راشدة ناصحة، ثم رأوا الله - عز وجل - بإيمان قلوبهم وشاهدوه بغيب أرواحهم ولاحظوا جلاله وجماله يخفي أسرارهم وهم مع ذلك في درجات القرب على حظ وكلهم إنما عرفوا الله - عز وجل - بمخلوقاته .

ولسبب انقسامهم في المعرفة اختلفت أحوالهم في الخوف والرجاء والقبض والبسط والفناء والبقاء وإنما سموا بالمقربين لبعدهم عن ظلمات الجهل وقربهم من نيران المعرفة والعلم، فلا أبعد من الجاهل ولا أقرب من العارف العالم، والبعد والقرب هنا عبارتان عن حالتين على سبيل التجوز في لسان الجمهور وعلى الحقيقة عند المستعملين لهما في هذا الفن إحدى الحالتين: عمى البصيرة وانطماس القلب وخلوه عن معرفة الرب سبحانه، فسمي هذا بعدا مأخوذا من البعد عن محل الراحة وموضع العمارة والأنس والانقطاع في مهامة القفر وأمكنه الخوف .

والحالة الثانية عن إيقاد الباطن واشتعال القلب وانفساح الصدر بنور اليقين والمعرفة والعقل وعمارة السر بمشاهدة ما غاب عنه .

(فصل)

المرتبة الرابعة: وهو توحيد الصديقين وهم قوم رأوا الله تعالى وحده ثم رأوا الأشياء بعد ذلك به فلم يروا في الدارين غيره ولا اطلعوا في الوجود على سواه، وأهل هذه المرتبة في حال حصولهم فيها صنفان: مريدون ومرادون، فالمريدون في الغالب لا بد لهم أن يحلوا في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين ومنها ينتقلون وعليها يعبرون إلى المرتبة الرابعة والله أعلم .

وأما المرادون في الغالب مبتدئون بمقامهم الأخير وهي المرتبة الرابعة ومتمكنون فيها، ومن أهل هذا المقام يكون القطب والأوتاد والبدلاء، ومن أهل المرتبة الثالثة يكون النجباء والنقباء والشهداء والصالحون والله أعلم .

فإن قلت: أليس الوجود يشترك فيه الحادث والقديم والمألوه والإله ثم المعلوم إن الإله واحد والحوادث كثيرة فكيف صاحب هذه المرتبة يرى الأشياء شيئا واحدا؟ أذلك على طريق قلب الأعيان؟ فيقول الحوادث قديمة ثم تتحد بالواحد فترجع هي هو، وفي هذا من الاستحالة والمروق عن مصدر العقل ما يغني عن إطالة القول فيه، وإن كان على طريق التخييل للولي لما لا حقيقة له فكيف يحتج به أو يعد حالا لولي أو فضيلة لبشر؟

والجواب عن ذلك أن الحادث لم ينتقل إلى القديم ولم يتحد بالفاعل ولا اعترى الولي تخييل فتخيل ما لا حقيقة له، وإنما هو ولي مجتبى وصديق مرتضى خصه الله بمعرفته على سبيل اليقين والكشف التام وكشف لقلبه ما لو رآه ببصره عيانا ما ازداد يقينا وإن أنكرت أن يكون وهب الله المعرفة على سبيل هذا السبيل لأحد من خلقه فما أعظم مصيبتك وما أعظم العزاء فيك حين قست الخلق بمقدارك وكلتهم بمعيارك وفضلت نفسك على الجميع إذ لا سبيل لإنكارك إن صح إلا إنك تتخيل أن يرزق أحد ما لم ترزق أو يخص من المعرفة ما لم تخص .

فإذا تقررت هذه القاعدة فصار ما كشف لقلبه لا يخرج منه وما اطلع عليه لا يغيب عنه في حال من أحواله، وهذا موجود فيمن كثر اهتمامه بشيء وثبت في قلبه حالة أنه إذا نام واشتغل لم يفقده في شغله ونومه كما لا يفقده في يقظته وفراغه; ولهذا والله أعلم إذا رأى الولي المتمكن في رتبة الصديقية مخلوقا حيا كان أو جمادا صغيرا أو كبيرا لم يره من حيث هو وإنما يراه من حيث أوجده الله تعالى بالقدرة وميزه بالإرادة على سابق العلم القديم ثم أدام القهر عليه في الوجود، ثم لما كانت الصفات المشهور آثارها في المخلوقات ليست لغير الموصوف الذي هو الله - عز وجل - في الولي عن غيره وصار لم ير سواه ومعنى ذلك أن لا يتميز بالذكر في سر القلب وحين المعرفة ولا بالإدراك في ظاهر الحس دون [ ص: 400 ] ما كان موجبا به وصادرا عنه فأنى يبعد هذا على من أصحبه الله توفيقه وفتح له منهاجه وطريقه، وعلى هذا جاء في المثل في الإحياء برؤية من يرى إنسانا والإنسان المرئي لا شك ذو أجزاء كثيرة ثم لا يراه الرائي مع ذلك إلا واحدا ولا يخطر ببالك شيء من أجزائه من حيث إن أجزاء الإنسان الظاهرة لا حراك لها ولا سكون ولا قبض ولا بسط ولا تصرف فيما يظهر إلا بمعاني ما كان إنسانا من أجله وهو الراكب للجسد المستولي على سائر الأجزاء المصدق بقدرة الله تعالى للأعضاء الملقب بالروح تارة وبالقلب أخرى وقد يعبر عنه بالنفس .

فإذا رأى اليد من الإنسان مثلا لم يرها من حيث إنها لحم وعصب وعضل وغير ذلك من مجموع أشخاص الجواهر وإنما يراها من حيث ما ظهر عليها من آثار صفاته التي هي القدرة والعلم والإرادة والحياة والصفات التي لا تقوم بنفسها دون الموصوف، فلهذا لم يشاهد غير المعنى الحامل للصفات المشهود أثرها في الأعضاء والجواهر فظهر صحة رؤية الرائي الإنسان واحدا وهو ذو أجزاء كثيرة ومثل هذا يعتبر الداخلين على الملوك والمحبين مع من شغفوا أي بحبه من المخلوقين والأمثال غير هذا كثيرة من هذا المعنى .

وأرجو أن لا يحتاج إليها مع هذا الوضوح ولا فهم إلا بالله ولا شرح إلا منه ولا نور إلا من عنده وله الحول والقوة وهو العلي العظيم. اهـ .

ما ذكره المصنف في الرد على المعترض وقد حذفت منه فصولا كثيرة مما لا تعلق لها بما نحن فيه ولنعد إلى شرح كلام المصنف بعون الله وتوفيقه .

التالي السابق


الخدمات العلمية