إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الأصل السادس .

أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره .

والكلام بالحقيقة كلام النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات ، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم .

؟!

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

.




(الأصل السادس) في بيان أحد صفات المعاني، التي هي الكلام، فقال: (إنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام) ، اعلم أن مسألة الكلام ذات تشعب كثير، وبحث المبتدعة منتشر شهير، حتى قيل: إنما سمي فن أصول الدين بعلم الكلام لأجله، فلا كبير جدوى في تطوير مباحثه، وقال بعض المحققين: الحق أن التطويل في مسألة الكلام، بل وفي جميع صفاته، بعدما يستبين الحق في ذلك، قليل الجدوى; لأن كنه ذاته وصفاته محجوب عن العقل، وعلى تقدير التوصل إلى شيء من معرفة الذات فهو ذوقي لا يمكن التعبير عنه، ولذلك لا أذكر في هذا المبحث إلا ما يقتضيه المقام من التكلم على عبارة المصنف - رحمه الله تعالى-، فما قل وكفى خير مما كثر وألهى، فأقول: اعلم أن البحث في هذا المقام يرجع إلى أمرين، الأول: أنه تعالى متكلم، والثاني: أنه تعالى متكلم بكلام نفسي قائم بذاته، وفي أثناء ذلك بيان صحة إطلاق الكلام عليه لغة، وأن إطلاقه عليه هل يكون مجازا أو حقيقة، وقد أشار المصنف إلى كل ذلك بقوله: إنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام (وهو وصف قائم بذاته) ، أما قيامه بذاته فلأنه تعالى وصف نفسه بالكلام في قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا ، وقوله: وقلنا يا آدم ، ومواضع أخرى كثيرة، والمتكلم الموصوف بالكلام لغة: من قام الكلام بنفسه، لا من أوجد الحروف في غيره (ليس بصوت ولا حرف) ، أما الصوت فهو كيفية قائمة بالهواء تحملها إلى الصماخ .

وقال الراغب: الهواء المنضغط عن قرع جسمين، وذلك ضربان: مجرد عن انتفاء شيء لشيء، كالصوت الممتد، ومنتقش بصورة، والمنتقش ضربان: ضروري، كما يكون من الحيوان والجماد، واختياري، كما من الإنسان، وذلك ضربان: ضرب باليد، كصوت العود، وضرب بالفم، وما بالفم ضربان: نطق وغيره، كصوت النائي، والنطق إما مفرد من الكلام، أو مركب، وأما الحرف فهو كيفية عارضة للصوت; ولذا قيل: لو قدم الحرف على الصوت في التعبير كان أولى; لأن الصوت بمنزلة العام، والحرف بمنزلة الخاص، ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام ; إذ قد يوجد صوت بدون حرف، ولا ينعكس، فكان تأثيره أتم في الفائدة، ولكن قد وجهه بعض المحققين، فقال: قدمه على الحرف لكونه معروضا له، متقدما عليه بالطبع، فتأمل .

(بل لا يشبه كلامه كلام غيره) ; لأنه صفة من صفات الربوبية، ولا مشابهة بين صفات الباري وصفات الآدميين; فإن صفات الآدميين زائدة على ذواتهم; لتكثر وحدتهم، فتقوم أنفسهم بتلك الصفات، وتتعين حدودهم ورسومهم بها، وصفة الباري تعالى لا تحد ذاته، ولا ترسم، فليست إذا بشيء زائد على الباري تعالى .

(كما لا يشبه وجوده وجود غيره) ، ومن ظن أن صفاته تشبه صفات غيره فقد أشرك; لأن الخالق لا يشبه المخلوق، ثم اعلم أن الكلام عند أهل الحق يقال على المعنيين، يقال على النظم المركب من [ ص: 145 ] الأصوات والحروف، وهو الكلام اللساني، وعلى المعنى القائم بالنفس، وهو المسمى بالكلام النفساني، وهذا الإطلاق بالاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز، والمختار عند الأشاعرة الأول، أي أنه مشترك بين الألفاظ المسموعة، وبين الكلام النفسي، وذلك لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركا، أما استعماله في العبارة فكثير، كقوله تعالى: ( يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) ، ( فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) ، ويقال: سمعت كلام فلان وفصاحته، يعني ألفاظه الفصيحة، وأما استعماله في المعنى النفسي، وهو مدلول العبارة، فكقوله سبحانه (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) ، ( وأسروا قولكم أو اجهروا به) ، وقول عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: زورت في نفسي قولا .

والقول يقال على ما يقال عليه الكلام، إما بترادف أو تباين الخاص والعام، وقيل: حقيقة في اللساني، مجاز في النفساني. وقيل بالعكس، وإليه أشار المصنف بقوله: (والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات) ، فهذا منه تصريح أن الكلام النفسي هو الحقيقة، وأن المعنى القائم بالنفس هو الكلام حقيقة، والحروف والأصوات دلالات عليه، ومعرفات له، وأنه حقيقة واحدة، هي الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وأنها صفات لها، لا أنواع، إن عبر عنه بالعربية كان عربيا، أو بالسريانية كان سريانيا، وكذلك في سائر اللغات، وأنه لا يتبعض ولا يتجزأ، وهذا قول الأشاعرة، ثم اختلفوا، فقال إمام الحرمين وغيره: الكلام المطلق حقيقة هو ما في النفس شاهدا وغائبا، وإطلاق الكلام على الحروف والأصوات مجاز. وإليه مال المصنف كما ترى .

وقال الجمهور: منهم يطلق على كل منهما بالاشتراك اللفظي، وإليه أشرنا أولا بقولنا: والمختار .

ثم إنهم استدلوا على ثبوت الكلام النفسي بأن قالوا: لا شك في وجود معنى قائم بنا نجده من أنفسنا عند التعبير، أو الإشارة والكتابة، كما يجده الطالب مع الاستدعاء لحصول المطلوب، وتطلبه إياه، وليس ذلك هو الإرادة لوجوده بدونها فيمن أمر عبده معتذرا للسلطان من عدم امتثاله عند توعده; فإن السيد يأمره ولا يريد .

وليس هو العلم; لأنه قد يخبر عن غير معلومة، ولا غير ذلك من المعاني النفسانية; لنفي لوازمها عنه، فثبت أن هناك أمرا قائما بأنفسنا هو المسمى بالكلام، والأقرب في تعريفه أنه: نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم. وقيل: هو حديث النفس عن معلومها حصولا واستدعاء، ويعني بالنسبة بين المفردين -أي: بين المعنيين المفردين- تعلق أحدهما بالآخر، أو إضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي، أي: بحيث إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها، كان ذلك اللفظ إسنادا إفاديا .

وقال النسفي في الاعتماد: صانع العالم متكلم بكلام واحد أزلي، وهو صفة قائمة بذاته، ليست من جنس الحروف والأصوات، غير متحيز، مناف السكوت والآفة، وهو به آمر ناه مخبر .

قلت: ودليل الأشاعرة والماتريدية في إثبات صفة الكلام واحد، قالوا: لو لم يكن صانع العالم متكلما للزم النقص، وهو محال، أما الملازمة فإن صانع العالم حي، وكل حي فهو إما متكلم، أو مؤوف، والآفة نقص، فتعين أن يكون متكلما، وهو المطلوب .

وأما دليل السمع فقوله عز وجل: ( وكلم الله موسى تكليما) ، إلا أن عند الأشاعرة كلامه تعالى مسموع; لما أن كل موجود كما يجوز أن يرى يجوز أن يسمع عنه، وعند ابن فورك: المسموع عند قراءة القارئ شيئان: صوت القارئ، وكلام الله تعالى .

وعند الشيخ أبي منصور والماتريدي كلامه غير مسموع; لاستحالة سماع ما ليس بصوت; إذ السماع في الشاهد يتعلق بالصوت، ويدور معه وجودا وعدما، وذكر في التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى، وخص بكونه كليم الله; لأنه سمع من غير واسطة الكتاب والملك; لا أنه ليس فيه واسطة الحرف والصوت. اهـ .

وقد يستدل المحدث أيضا على إثبات صفة الكلام له تعالى بما تقدم .

وأما الصوفي فيقول: الكلام صفة كمالية، إذ مرجع ذلك إلى الإنباء عن الشيء، وكل الأشياء قابلة للإنباء; فلا بد من حصول تلك الصفة على كمالها، وحصولها على الكمال لا يكون إلا بحيث لا موقع لنقيضها، وذلك لا يكون في واجب الوجود، فواجب الوجود له تلك الصفة الكمالية، إذ هو الذي له الكمال المطلق، وهو المطلوب .

ثم استشعر المصنف كلام [ ص: 146 ] المخالفين لمعتقد الأشاعرة، وهم الحنابلة والمعتزلة; فإنهم أنكروا الكلام النفسي، وقالوا: ليس الكلام مشتركا بين العبارة ومدلولها، بل الكلام هو الحروف المسموعة، فهو حقيقة فيها، مجاز في مدلولها. فقال رادا عليهم، متعجبا منهم بقوله: (وكيف التبس هذا) أي: كيف خفي أمره (على طائفة من الأغبياء) ، جمع غبي، وهو الفدم الذي لا يدري شيئا، وأصل الغباوة الغفلة والجهل، وتركيبها يؤذن بالخفاء، ومنه قول الشاعر:


وإذا خفيت على الغبي فعاذر ألا تراني مقلة عمياء

(ولم يلتبس) ذلك (على جهلة الشعراء؟!) جمع جاهل، والمراد به الأخطل، كما وقع التصريح بذلك في أكثر كتب الأشاعرة والماتريدية، وأوله:


لا يعجبنك من أمير خطبة     حتى يكون مع الكلام أصيلا

(

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما     جعل اللسان على الفؤاد دليلا)

وقد أنكره العلاء المرداوي من الحنابلة في شرح تحرير الأصول، وقال: هو موضوع على الأخطل، وليس هو في نسخ ديوانه، وإنما هو لابن صمصام، ولفظه: إن البيان. اهـ .

وقد استرسل بعض علمائنا من الذين له تقدم ووجاهة، وهو علي بن علي بن محمد بن الغزي الحنفي، فقال في شرح عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي ما نصه: وأما من قال: إنه معنى واحد، واستدل بقول الأخطل المذكور، فاستدلال فاسد، ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به، فكيف وهذا البيت قد قيل: إنه مصنوع منسوب إلى الأخطل، وليس هو في ديوانه .

وقيل: إنما قال: إن البيان لفي الفؤاد. وهذا أقرب إلى الصحة، وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به; فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت، أي: شيء من الإله بشيء من الناس، فيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام عن معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب .

وأيضا فمعناه غير صحيح; إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلما; لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به، ولم يسمع، وهذا معنى عجيب، وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت. اهـ. إلخ .

ولما تأملته حق التأمل وجدته كلاما مخالفا لأصول مذهب إمامه، وهو في الحقيقة كالرد على أئمة السنة، كأنه تكلم بلسان المخالفين، وجازف، وتجاوز عن الحدود، حتى شبه قول أهل السنة بقول النصارى، فليتنبه لذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية