إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما السبب الثالث وهو حبك المحسن في نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه ، وهذا أيضا موجود في الطباع .

فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم ، وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك ، وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق ، متهتك شرير ، وهو أيضا بعيد عنك ، فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما ؛ إذ تجد في القلب ميلا إلى الأول وهو الحب ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنك آيس من خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما ، فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك ، وهذا أيضا يقتضي حب الله تعالى ، بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب ، فإن الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق أولا بإيجادهم وثانيا بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم . وثالثا بترفيههم وتنعيمهم بخلق ، الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم ، وإن لم تكن في مظان الضرورة . ورابعا بتجميلهم : بالمزايا والزوائد التي هي في مظنة زينتهم وهي خارجة عن ضروراتهم وحاجاتهم .

ومثال الضروري من الأعضاء الرأس والقلب والكبد ومثال المحتاج إليه العين واليد والرجل ، ومثال الزينة استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلون العينين إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة ، ومثال الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء والغذاء ، ومثال الحاجة الدواء واللحم والفواكه ، ومثال المزايا والزوائد خضرة الأشجار وحسن أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة ولا ضرورة .

وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان ، بل لكل نبات بل لكل ، صنف من أصناف الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش فإذا هو المحسن فكيف يكون غيره محسنا وذلك ، المحسن حسنة من حسنات قدرته ، فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق الإحسان ، وخالق أسباب الإحسان ، فالحب بهذه العلة لغيره أيضا جهل محض ، ومن عرف ذلك لم يحب بهذه العلة إلا الله تعالى .


(وأما السبب الثالث وهو حبك المحسن في نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه، وهذا أيضا موجود في الطباع فإنه إذا بلغك خبر ملك عالم عابد عادل رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم، وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك، وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق، متهتك شرير، وهو أيضا بعيد عنك، فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما; إذ تجد في القلب ميلا إلى الأول وهو الحب ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنك آيس من خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما، فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك، وهذا أيضا يقتضي حب الله تعالى، بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب، فإن الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق أولا بإيجادهم) وإخراجهم من العدم إلى الوجود، ومن الظلمة إلى النور (وثانيا بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم . وثالثا بترفيههم وتنعيمهم، فخلق الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم، وإن لم تكن في مظان الضرورة . ورابعا: بتحميلهم بالمزايا والزوائد التي هي في مظنة زينتهم وهي خارجة عن ضروراتهم وحاجاتهم، ومثال الضروري من الأعضاء الرأس والقلب والكبد) وهي الرئة، (ومثال المحتاج إليه العين واليد والرجل، ومثال الزينة استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلون العينين إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة، ومثال [ ص: 563 ] الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء والغذاء، ومثال الحاجة الدواء واللحم والفواكه، ومثال المزايا والزوائد خضرة الأشجار وحسن أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة ولا ضرورة، وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان، بل لكل نبات، بل لكل صنف من أصناف الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش، فإذا هو المحسن فكيف يكون غيره محسنا وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته، فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق الإحسان، وخالق أسباب الإحسان، فالحب بهذه العلة أيضا لغيره جهل محض، ومن عرف ذلك لم يحب بهذه العلة أيضا إلا الله تعالى) .

التالي السابق


الخدمات العلمية