إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته .

اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة ، وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين ، وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين ، فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ، ثم قالوا : إن أمكن الرضا بكل شيء ؛ لأنه فعل الله فينبغي ، أن يرضى بالكفر والمعاصي . وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى .

ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله : صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل .

فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا ثم بحكايات أحوال الراضين .

ثم نذكر حقيقة الرضا ، وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى ، ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه ، كترك الدعاء والسكوت على المعاصي .


(القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في تفضيله)

(اعلم) وفقك الله تعالى (أن الرضا ثمرة من ثمار الجنة، وهو من أعلى مقامات المقربين) ، وهو الثامن من مقامات اليقين، وجعل صاحب القوت المحبة حالا من مقام الرضا؛ فلذلك قدم الرضا على المحبة، وأما صاحب مقاصد المنجيات فذكر الرضا في آخر مقام التوكل، وجعله من لواحقه، وهذا لفظه: الرضا هو الغاية القصوى في الدنيا والأخرى بعد النظر إلى وجه الله تعالى، وله النسبة إلى السالك منازل ثلاثة؛ الأولى: نهاية الصبر أول مقام الرضا، والسالك يرتقي من الصبر إليه .

الثانية: بعد التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرضا لا يصلح إلا بعد القضاء، فإذا توكل العبد على مولاه واستسلم لقضاء ربه؛ فحينئذ تجري عليه المقادير بما حكم الله في الأزل؛ فحينئذ يحب الرضا .

الثالثة: يكون ثمرة المحبة، وهو الأغلب في الوقوع والأشرف عند الله تعالى؛ لأن بذلك تحلو البلايا والرزايا، وما سوى هذا حديث نفس لو طولب النفس بالامتحان فيه لم يجده الطالب شيئا، فلما رأيته يليق بهذه المنازل الثلاثة توسطت الأمر وجعلته بعد التوكل؛ لأن الحاجة إليه في هذه الحالة مما تعم به البلوى، وهو أيضا كغيره من المقامات ينتظم من علم وحال وعمل، أما العلم فاعلم أن العلم الذي يورث حال الرضا هو العلم بكمال صفات الله تعالى وجمالها وجلالها فيما حكم به في الأزل؛ من شقاء وإسعاد، وتقريب وإبعاد، وشدة وإرخاء، وإن ذلك على أكمل الحالات وأرفع الدرجات، وهو العلم بعينه هو الذي يوجب التسليم والتفويض، إلا أن الفرق بينهما وبين الرضا، أن التفويض والتسليم قبل وقوع المقضي به، والرضا بعد وقوع المقضي به، وبالرضا يظهر صدق المقامات كلها، واعتقاد هذا العلم واجب؛ لأنه من الإيمان بالله يراد لذاته ولغيره، أما كونه مرادا لذاته، فلأنه معرفة بالله مقصودة في نفسها، وأما كونه يراد [ ص: 647 ] لغيره، فلأنه يذهب عن القلب الهم والغم والحزن والسخط، ويجلب أضدادها من الفرح والسرور والاستبشار، ويستفيد بذلك عد الأنفاس مع الله، والسلامة من إضاعة الأوقات. وقال القشيري: قد اختلف العراقيون والخرسانيون في الرضا، هل هو من الأحوال، أو من المقامات؛ فأهل خراسان قالوا: الرضا من جملة المقامات، وهو نهاية التوكل، ومعناه يؤول إلى أنه مما يتوصل إليه العبد باكتسابه .

وأما العراقيون فإنهم قالوا: الرضا من جملة الأحوال، وليس ذلك كسبا للعبد، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال، ويمكن الجمع بين القولين فيقال: بداية الرضا مكتسب للعبد، وهي من المقامات، ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة (و) أما (حقيقته) فإنها (غامضة على الأكثرين، وما يدخل عليه من التشابه والإيهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفقهه في الدين، فقد أنكر منكرون قصور الرضا بما يخالف الهوى، ثم قالوا: إن أمكن الرضا بشيء؛ لأنه فعل الله تعالى، فينبغي أن يرضى بالكفر والمعاصي. وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى، ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس) -رضي الله عنه- (حيث قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) هكذا رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وقد تقدم في كتاب العلم، وقد روى البخاري من حديثه بالشطر الأول فقط، ورواه أحمد أيضا والطبراني، وأبو نعيم بلفظ: اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل. ورواه كذلك ابن سعد، والحاكم، وروي من حديث ابن عمر: اللهم بارك فيه، وانشر منه. قاله لابن عباس، رواه صاحب الحلية، وروى ابن ماجه، وابن سعيد، والطبراني من حديث ابن عباس: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب.

وقال صاحب القوت: واعلم أن الرضا من مقامات اليقين، وأحوال المحبين، ومشاهدة المتوكلين، وهو داخل في كل أفعال الله تعالى؛ لأنها عن قضائه لا يكون في ملكة إلا ما قضاه، فعلى العارفين به الرضا بالقضاء. ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب الأحكام، فما كان من خير وبر أمر به، أو ندب إليه، رضي به العبد وأحبه شرعا وفعلا، ووجب عليه الشكر، وما كان من شر نهى عنه وتهدد عليه، فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا، ويسلمه لمولاه حكمة وحكما، وعليه أن يصبر عنه ويقر به ذنبا، ويعترف به لنفسه ظلما، ويرضى بعود الآكام عليه بالعقاب، وإن اجترحه بجوارحه اكتسابا، ويرضى بأن لله سبحانه عليه الحجة البالغة، وأن لا عذر له فيه، ويرضى بأنه في مشيئة الله من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء، أو عقوبة بعدله وحقه إن شاء؛ لأن الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ينكرون إنكار المعاصي، وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها، والشرع ورد بها، ولأن الحبيب كرهها، فكانوا معه فيما كره، كما كانوا معه فيما أحب، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول، ولا تسقط اتباعه، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله، وكذب على الموقنين والمحبين، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره، وأحب لأجلها، ووالى ونصر عنها، أو ادعى أن ذلك يدخل في مقام الرضا الذي يجازى عليه، أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم، فهو مع الذين ذمهم الله ومقتهم، ثم ذكر جملة من الآيات والأخبار والآثار، ثم قال: وقد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين، ممن لا علم له ولا يقين، فحمل الرضا على ما يكون منه من معصية وهوى، فحمله بالتفصيل وقلة فقهه بعلم التأويل، ولاتباعه ما تشابه من التنزيل طلبا للفتنة وغربة الحال، وابتداعا في القول والفعال، أو لهواه في العصيان والفسوق، وأراد أن يقيم بذلك عند الجاهلين سوق معذرة له، وتطريقا إليه، ولو عصم من الهوى لاستراح، ولو زهد في الدنيا لأراح، ولو كان علمه للتأويل الله الفتاح العليم لأفلح، ولعلم الناس من علمه فربح وأربح، وأنى له بذلك والهوى يقلبه، والبلاء المعقود به يعمره؟! وإنما يعلم التأويل منزل التنزيل، ألم تسمع إلى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وبطلان قول هذا أوضح من أن يدل على فساده، فكفونا عن مناظرته بطرده وإبعاده، والاشتغال بالبطال بطالة؛ لأن أوقاته قد ضاعت، فيضيع وقت غيره بذكرها .

ثم قال: وقد يحتج أيضا بطال لبخله وقلة مواساته وبذله، أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا واستئثاره على الفقراء أن الذي يمنعه من البذل [ ص: 648 ] والإيثار، أو الزهد فيما في يديه والإخراج، رضاه وقلة اعتراضه على مجريه فيه، وأن هذا من مقام الرضا خص به عند نفسه، وهذا قول لاعب ذي هوى، وهو من خدع النفوس وأمانيها، ومن غرور العدو ومكايده؛ لأن الرضا لا يمنع من اختيار الفقر والضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد وأوصافه كيف تكون، ولحب مولاه للفقر ولمقته على التكاثر؛ فالرضا لا يأمر بالاستئثار والاتساع لما كره من النعمة والاستكثار؛ لأن الرضا يأمر بما أمر به الإيمان إذا كان مقاما فيه، فهو لا يوقف عما ندب إليه العبد، ولا يدخل فيما كره له من فضول الدنيا، إنما يوقف من ذلك غلبة الهوى، ويدخل فيه محبة الدنيا، وهما مذمومان في العلم وعند العلماء، تأمر به النفس الأمارة بالسوء، ويوسوس به العدو بالهمز والخطم، وهذه مذمومات، وأحالها بجهله على الرضا، وهذه اغترارات من النفس لها، وتمويه على الخلق ليسلم منه، ولا عذر له، فهذا عند مالكه، ولا سلامة له فيه من خالقه، ولا مقام له في الرضا عند العلماء من أهل الرضا. اهـ .

(فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا بحكايات الراضين، ثم بذكر حقيقة الرضا، وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى، ثم بذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه، كترك الدعاء والسكوت على المعاصي) والمناكير .

التالي السابق


الخدمات العلمية