إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا .

ولا يخرج صاحبه عن مقام الرضا ، وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ، ومقت أسبابها ، والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه أيضا .

وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره عز وجل فيجب الرضا به وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع فأما الدعاء فقد تعبدنا به ، وكثرة دعوات رسول الله : صلى الله عليه وسلم : وسائر الأنبياء عليهم السلام على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه ، ولقد كان رسول الله : صلى الله عليه وسلم : في أعلى المقامات من الرضا .

وقد ، أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله : ويدعوننا رغبا ورهبا وأما إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها ، فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا به فقال : ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وقال تعالى : رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم وفي الخبر المشهور : من شهد منكرا فرضي به فكأنه قد فعله وفي الحديث : الدال على الشر كفاعله . وعن ابن مسعود إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه وقيل . : وكيف ذلك ؟ قال : يبلغه فيرضى به وفي الخبر : لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان شريكا في قتله وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات ، وتوقي الشرور ، فقال تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وقال النبي : صلى الله عليه وسلم : لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها ، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق . وفي لفظ آخر ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار فيقول الرجل : لو آتاني الله مثل ما آتى هذا لفعلت مثل ما يفعل .

وأما بغض الكفار والفجار والإنكار عليهم ومقتهم ، فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى ، مثل قوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقال تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وفي الخبر : إن الله تعالى أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق ، وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن وقال عليه السلام : المرء مع من أحب وقال من أحب قوما ووالاهم حشر معهم يوم القيامة وقال عليه السلام : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله . وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله تعالى من كتاب آداب الصحبة ، وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا نعيده .


(بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا) * (و) أنه (لا يخرج صاحبه عن مقام الرضا، وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها، ومقت أسبابها، والسعي في إزالتها بالأمر المعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه أيضا، وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين) من المتأخرين ممن لا علم له ولا يقين (وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره فيجب الرضا به وهذا) منه (جهل بالتأويل) والتفصيل واتباع لما تشابه من التنزيل (وغفلة عن أسرار الشرع) ، وبطلان قول هذا أوضح من أن يدل على فساده، كما تقدم قريبا (فأما الدعاء فقد تعبدنا به، وكثرة دعوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسائر الأنبياء عليهم السلام على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه، ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه [ ص: 664 ] وسلم - في أعلى المقامات من الرضا، ولقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله: ويدعوننا رغبا ورهبا ) وقال صاحب القوت: ولا ينقص الراضي من مقام الرضا عن مسألة مولاه مزيد الآخرة وصلاح دنياه، تعبد الله بذلك افتقارا إليه في كل شيء؛ لأن في ذلك رضاه ومقتضى تمدحه بمسألة الخلائق، فإن صرف مسائله إلى طلب النصيب من المولى وابتغاء القرب حبا له وأثرة على ما سواه كان فاضلا في ذلك؛ لأنه قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك، وهذا مقام المقربين، وهو على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته ومقتضى حاله؛ لأنه يسأل عن علمه بعلمه في وقت من أحواله، كما يسأل عن جملة أعماله بعلومه مدة عمره، فهذا أصل فاعرفه، فعليه عمل العاملون، وهو طريق العارفين من السلف، فلم يضرهم عندهم خلاف من خالف، وإن كان دعاؤه تمجيدا لسيده وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولها بحبه؛ لأنه يستوجب ذلك بوصفه، ولأنه واجب عليه فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله، فهذا أفضل، وهو مقام المحبين، وهو من القيام بشهادته، وقد دخل فيما ذكرناه في مقتضى حاله بالعمل، فعلمه في وقته (وأما إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها، فقد تعبد الله تعالى به عباده وذمهم على الرضا فقال: ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) فذمهم على رضاهم بالدنيا وبالمعاصي والتخلف عن السوابق، وقال: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون فعابهم بذلك، (وقال تعالى: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم ) يعني مع النساء في القعود عن القيام بالجهاد، وهو جمع التأنيث، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره وأحب لأجلها ووالى ونصر عنها، أو ادعى أن ذلك يدخل في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا، أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت (وفي الخبر المشهور: من شهد منكم منكرا فرضي به فكأنما قد فعله) ، كذا في القوت. وقد تقدم في كتاب الأمر بالمعروف .

وروى أبو يعلى من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما: من شهد منكرا فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده. (وفي الحديث: الدال على الخير كفاعله.) رواه الإمام أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعا، ومن طريقه رواه العسكري في الأمثال، ورواه البزار من حديث أنس، ورواه ابن منيع من حديث ابن عباس بزيادة في أوله وآخره، وقد تقدم في كتاب العلم، ويوجد في بعض نسخ الكتاب: الدال على الشر كفاعله. وهكذا هو في القوت أيضا. وقال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بإسناد ضعيف جدا. (وعن ابن مسعود) -رضي الله عنه- (إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به) نقله صاحب القوت. (وفي الخبر: لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان شريكا في قتله) كذا في القوت. قال العراقي: لم أجد له أصلا بهذا اللفظ. ولابن عدي من حديث أبي هريرة: من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها، ومن غاب عنها وأحبها فكأنما حضرها. وتقدم في كتاب الأمر بالمعروف. انتهى .

قلت: ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف، والبيهقي وضعفه (وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات، وتوقي الشرور، فقال تعالى) سابقوا إلى مغفرة من ربكم (قال: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) وقال: يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون فندب إلى المسارعة والسباق، وذم التخالف عنها بما حبس وعاق، فعلى هذا طريق المؤمنين، وفيها مقامات الموقنين، ويروى من طريق مرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: من نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا كتبه الله صابرا شاكرا، ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا لم يكتبه الله لا صابرا ولا شاكرا. قال صاحب القوت: ففيه أربعة معان حسان إذا تدبرها العبد وتفكر فيها لم يعدم أن يرى أهلها؛ لأنه لا يخلو أن يرى بعينه أو بقلبه عن معرفة بسيرة المتقدمين، فيرى من فوقه في باب الدنيا فيشكر الله على حاله ويقنع منه برزقه فيكون صابرا شاكرا بمعرفة ما قنع به ورضي وباختيار له صرف عنه من الفضول، وزوي عنه من الحساب الطويل، ولا يخلو أن يرى من فوقه في أمر الدين من العاملين والعالمين والزاهدين فيسارع إلى ذلك ويسابق وينافس فيه؛ إذ قد ندب إلى ذلك فيكون حبا له وحضا على افتعال الخيرات وأعمال الصالحات، وأقل ما يفيده ذلك الإزراء على نفسه والمقت لها في تقصيره، ثم ينظر في الأمرين [ ص: 665 ] الأخيرين من وجه آخر فلا يخلو أن يرى من هو دونه في أمر الدنيا من ذوي الفاقات والحاجات، فيحمد الله تعالى على تفضيله عليه وحسن صونه، ويشكر نعمته لفضل إحسانه وكفايته له، ويجد أيضا في المعنى الآخر من هو دونه في أمر الدين من الفجرة والظالمين وأهل البدع والزائفين، فيفرح بفضل الله ورحمته، ويشكر الله على حسن إسلامه وجميل معافاته مما ابتلى به غيره، فيكون أيضا صابرا شاكرا، فيكون للعبد في هذه الطبقات من الناس أربع معاملات بما وهب الله له من التبصرة والاعتبار (و) يشهد لما ذكرناه ما (قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق.) رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد القطان، ومسلم من طريق ابن نمير ومحمد بن بشر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود رفعه، ورواه النسائي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، ولفظهم جميعا: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها. وقد تقدم في كتاب العلم. (وفي لفظ آخر) : لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، (ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل و) آناء (النهار) . رواه كذلك الشيخان، والترمذي، وابن ماجه، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعا، لكن بتقديم الشطر الثاني على الأول، زاد صاحب القوت: (فيقول الرجل: لو آتاني الله تعالى مثل ما آتى هذا لفعلت مثل ما يفعل) فندب -صلى الله عليه وسلم- إلى الحسد في أعمال البر، وفضل الحاسد على ذلك؛ لأن الله تعالى ندب إلى التنافس في أعمال الخير، فمن حسد في هذه الثلاث ونحوها للغبطة بها والطلب لها لم يخرجه ذلك من الرضا، وكان له مزيد بعد أن لا يحب زوالها من أهلها، ولا ينقصهم منها، ولا أن لا يذكروا بها ولا يحبها هو أيضا ليذكر كما ذكروا، ويمدح كما مدحوا، فهذه المعاني آفات هذه الفضائل، ولكل شيء آفة من وقيها حصلت له الفضيلة، ومن وقع فيها فحيدها عنه خير له؛ لأنه أسلم، ولا فضل إلا بعد حوز السلامة (وأما بغض الكفار والفجار والإنكار عليهم ومقتهم، فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى، مثل قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقال تعالى: وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (وقال تعالى) في مثله: ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) ثم قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وبغض المبتدع والفاجر والظالم المعتدي، وترك موالاتهم ونصرتهم واجب على المؤمنين (وفي الخبر: إن الله تعالى أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق، وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن) ولفظ القوت، وقد روينا في خبر: إن الله أخذ على كل مؤمن من الميثاق ... والباقي سواء .

وقال العراقي: لم أجد له أصلا. (وقال -صلى الله عليه وسلم-: المرء مع من أحب) وله ما احتسب. رواه الترمذي من طريق أشعث، عن الحسن، عن أنس، وقد تقدم. والشطر الأول متفق عليه من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، ومن حديث الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى وابن مسعود، وقد تقدم. (وقال) صلى الله عليه وسلم: (من أحب قوما ووالاهم حشر معهم يوم القيامة) . قال العراقي: رواه الطبراني من حديث أبي قرصافة، وابن عدي من حديث جابر: من أحب قوما ووالاهم حشر في زمرتهم. وفي لفظ له بزيادة يوم القيامة، وفي طريقه إسماعيل بن يحيى التيمي، ضعيف. انتهى .

قلت: وفي بعض نسخ الكامل لابن عدي "على أعمالهم" بدل "ووالاهم" وقال الذهبي في الديوان: إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله أبو يحيى التيمي كذاب عدم، وأبوه شيخ ابن المبارك متروك هالك. (وقال -صلى الله عليه وسلم-: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.) رواه الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة والبيهقي من حديث البراء بلفظ: إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله، وقد تقدم في كتاب آداب الصحبة، وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس: أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله. (وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله في كتاب آداب الصحبة، وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا نعيده) وقال [ ص: 666 ] صاحب القوت بعد أن ذكر حديث: أوثق عرى الإيمان ما لفظه، فجعل ذلك من أوثق العرى؛ لأنه منوط بالإيمان لا يستطيع الشيطان حله، ولا سلطان له عليه، كما لا سبيل له على حل عقد الإيمان؛ لأن الله يحول بينه وبينه، وقد تولى تأييد الإيمان بروح منه بعد كتبه في القلوب برحمته، وفي الحب في الله الموالاة والنصرة بالنفس والمال والفعل والقول، وفي البغض في الله ترك ذلك كله، والمنابذة والمباينة، ولأجل ذلك صارت الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه من أوثق عرى الإيمان؛ لأنك قد تعصي وتخالف مولاك لتسليط العدو وغلبة هواك، إلا أنك تبغض العاصين ولا تواليهم على المعاصي، ولا تحبهم من أجلها من قبل أن العدو لم يسلط على ذلك منك، كما سلط على فعله من نفسك، كما أنه لم يسلك على حل عقد إيمانك، كما سلط على المراقبة والمخافة منك، ولم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم واستحسانها، ولا التزين بها، ولا في ترك التوبة منها، ولا بالرضا بها، كما سلط عليك باقترافها، فإن سلط على مثل هذا منك العدو حتى تحسب الفساق وتواليهم وتنصرهم على فسقهم، أو تستحل ما يرتكبون من الحرا، أو ترضى به، أو تدين به، فقد انسلخ منك الإيمان، كما انسلخ الليل من النهار فلست منه في كثير ولا قليل؛ لأن هذه العقود مرتبطة بعرى الإيمان، وهي وهو في قرن واحد مقرونان، فهذا من كبائر الكبائر التي تنحل عقد الإيمان معها، وتنتقص عراه بها من قبل أن الموالاة والمحبة لأعداء الله تعمل في أصل الدين، وتمحو ثبت اليقين، فلا تبقى منه نورا؛ لأنه ليس من عصى إمامه فيما أمره مثل من قلب دولته وخرج عليه بالسيف، وليس من وافق هوى نفسه فيما به نهى الله مثل من وافق ما وفق الله فيما كتب وأرسل فنبذ كتبه ورد يده في أفواه الرسل مسكتا، فإن تكن مقامات هؤلاء الظالمين والفاسقين توجب عليهم الرضا بأحوالهم أو الشكر عليها فرضوا وشكروا، لزمهم أيضا أن يصبروا ويثبتوا على ما شكروا عليه ورضوا به، فيصير ذلك مقاما لهم في الشكر والرضا عند القائل بهواهم، ووجبت عليه أيضا لهم أن يحبهم عليها ويواليهم، فإذا وجب عليه ذلك لزمه أن يعينهم عليها ويأمرهم بها، وفي هذا تكذيب الكتب كلها، ورد الرسل كلهم، نعوذ بالله من رضا لا ينفع، ومن حب لا ينفع، كما نعوذ به من عمل لا ينفع، ومن علم لا ينفع .

ثم ذكر الأخبار المتقدمة وزاد فقال: وروينا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، دخل لفظ أحدهما في الآخر: لو أن عبدا صفن بين قدميه عند الركن والمقام يعبد الله -عز وجل- عمره، يصوم نهاره ويقوم ليله، ثم لقي الله -عز وجل- وليس في قلبه محبة وموالاة لأولياء الله، ولا بغض ولا معاداة لأعدائه، لما نفعه ذلك شيئا. وقد جاء نحوه وبمعناه عن عمر وغيره: إن أحدهم ليشيب في الإسلام ولم يوال في الله تعالى ولم يعاد فيه عدوا، وذلك نقص كبير. وفي معنى قوله: أوثق عرى الإيمان ... إلخ وجه خفي؛ هو أن يحبك المؤمنون ويبغضك المنافقون، فتكون ذلك علامة وثيقة عروة إيمانك؛ لأن قوله: الحب في الله يصلح أن تحب أنت ويصلح أن يحبك المؤمنون، وكذلك البغض في الله يصلح أن يبغضك المنافقون، كما تبغضهم أنت، فكأنك تتحبب إلى المؤمنين حتى يحبوك، وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بالتباعد عنهم، وبترك الموالاة لهم، وبنصحك إياهم، فيدل ذلك على قوة إيمانك؛ لأنك لم تأخذك في الله لومة لائم منهم، كما وصف بذلك من يحبهم ويحبونه، ويكون ذلك أبعد لك من المداهنة والنفاق، وأقرب إلى الصدق والإخلاص والورع، فإذا فعلت ذلك بهم أبغضوك ومقتوك، فتظفر بما تريد، وتدرك ما تحب، داخلا عليك بوصفهم، فهذا على معنى قوله -عز وجل-: أشداء على الكفار رحماء بينهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين .

التالي السابق


الخدمات العلمية