إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته وقال تعالى : إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فجعل النية سبب التوفيق .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وإنما نظر إلى القلوب ؛ لأنها مظنة النية . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول ألقوا هذه الصحيفة .

فإنه لم يرد بما فيها وجهي ، ثم ينادي الملائكة : اكتبوا له كذا وكذا ، اكتبوا له كذا وكذا ، فيقولون : يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك ، فيقول الله تعالى : إنه نواه "
وقال صلى الله عليه وسلم : " الناس أربعة : رجل آتاه الله عز وجل علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله ، فيقول رجل : لو آتاني الله تعالى مثل ما آتاه لعملت كما يعمل ، فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله تعالى مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله ، فيقول رجل : لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر سواء " ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ومساويه .

وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال : " إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ، ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ، ولا أنفقنا نفقة ، ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة . قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا ؟ قال : حبسهم العذر فشركوا ، بحسن النية " وفي حديث ابن مسعود " من هاجر يبتغي شيئا فهو له ، فهاجر رجل فتزوج امرأة منا ، فكان يسمى مهاجر أم قيس " وكذلك جاء في الخبر إن " رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار ؛ لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل ، على ذلك فأضيف إلى نيته " وفي حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى " وقال أبي استعنت رجلا يغزو معي ، فقال : لا ، حتى تجعل لي جعلا ، فجعلت له ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له .


(وقال صلى الله عليه وسلم: أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش) أي: الذين يموتون على فرشهم ولهم نية جميلة في طلب الشهادة .

(ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته) قال العراقي : رواه أحمد من حديث ابن مسعود، وفيه عبد الله بن لهيعة . اهـ .

قلت: ورواه كذلك الحكيم في النوادر، ولفظهما: " إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش " والباقي سواء .

(وقال) الله (تعالى: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فجعل النية سبب التوفيق) ولفظ القوت: فجعل سبب التوفيق إرادة الإصلاح، فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل الصالح .

(وقال صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم") رواه أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة، ولفظهم: "ولكن إنما ينظر" والباقي سواء .

ورواه كذلك أبو بكر الشافعي في الغيلانيات، وابن عساكر من حديث أبي أمامة .

ورواه هناد في الزهد، عن الحسن مرسلا. ورواه الحكيم، عن يحيى بن أبي كثير مرسلا بلفظ: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه " .

ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري بلفظ: " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أحسابكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إلي أتقاكم " وقد تقدم .

(وإنما نظر إلى القلوب؛ لأنها مظنة النية. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول) لهم: (ألقوا هذه الصحيفة؛ فإنه لم يرد بما فيها وجهي، ثم ينادي الملائكة: اكتبوا له كذا وكذا، اكتبوا له كذا وكذا، فيقولون: يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك، فيقول الله تعالى: إنه نواه") كذا في القوت .

قال العراقي : رواه الدارقطني من حديث أنس بإسناد حسن .

قلت: وهو في كتاب الإخلاص لابن أبي الدنيا، من طريق أبي عمران الجوني، قال: " بلغنا أن الملائكة تصف بكتبها في السماء الدنيا في كل عشية بعد العصر، فينادي الملك [ ص: 7 ] اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه، إنه نواه " .

(وقال صلى الله عليه وسلم: "الناس أربعة: رجل آتاه الله عز وجل علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله، فيقول رجل: لو أتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر سواء") كذا في القوت .

قال العراقي : رواه ابن ماجه من حديث أبي كبشة الأنماري بسند جيد، بلفظ: " مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر " الحديث، وقد تقدم .

ورواه الترمذي بزيادة في أوله، وفيه: " إنما الدنيا لأربعة نفر " وقال: حسن صحيح. اهـ .

قلت: لفظ ابن ماجه : " مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، وهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل فهما في الوزر سواء ". وهكذا رواه أيضا أحمد وهناد والطبراني والبيهقي .

(ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ومساويه) ولفظ القوت: ألا ترى كيف شركه بحسن النية في محاسن عمله وشركه الآخر بسيئ النية في مساوئ عمله .

(وكذلك في حديث أنس بن مالك ) رضي الله عنه (لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك قال: "إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا، ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار، ولا أنفقنا نفقة، ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا؟ قال: حبسهم العذر، فشركونا بحسن النية") كذا في القوت .

قال العراقي : رواه البخاري مختصرا، وأبو داود. اهـ .

قلت: رواه البخاري مختصرا بلفظ: " إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر " .

وأما لفظ أبي داود: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر " .

ورواه كذلك أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن ماجه، وأبو عوانة، وابن حبان، كلهم من حديث أنس .

ورواه أيضا عبد بن حميد، ومسلم، وابن ماجه من حديث جابر بلفظ: " إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم العذر " وقوله: "فشركونا بحسن النية " هكذا في القوت .

وفي بعض نسخ الكتاب: " فشركوا بحسن النية " وهذا يشعر بأنه ليس من بقية الحديث، بل هو من عند المصنف .

(وفي حديث ابن مسعود ) رضي الله عنه: ( "من هاجر ليبتغي شيئا فهو له، فهاجر رجل فتزوج امرأة منا، فكان يسمى مهاجر أم قيس" ) كذا في القوت .

قال العراقي : رواه الطبراني بإسناد جيد .

قلت: وقال في شرح التقريب: ما اشتهر بين الشراح لهذا الحديث أن سببه قصة مهاجر أم قيس .

رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس " ثم قال: ولم يسم أحد ممن صنف في الصحابة هذا الرجل الذي ذكروا أنه كان يسمى مهاجر أم قيس فيما رأيته من التصانيف .

وأما أم قيس المذكورة فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية أن اسمها "قيلة" فالله اعلم. اهـ .

قلت: وقال الحافظ في ترجمة أم قيس من الإصابة ما لفظه: غير منسوبة .

أخرج ابن منده، وأبو نعيم من طريق إسماعيل بن عصام بن يزيد قال: وجدت في كتاب جدي يزيد الذي يقال له جبر: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس" قال ابن مسعود : من هاجر لشيء فهو له .

قال أبو نعيم : تابعه عبد الملك الذماري، عن سفيان، ثم ذكر أم قيس الهذلية، وقال: قال أبو موسى : أوردها جعفر، ولم يخرج لها شيئا .

قال الحافظ : أخشى أن تكون هي التي قبلها، فإن ابن مسعود يقول في مهاجر أم قيس : رجل منا، وابن مسعود هذلي، فالرجل هذلي، فكأن أم قيس المخطوبة أيضا هذلية .

(وكذلك جاء في الخبر "أن رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار؛ لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره، فقاتل [ ص: 8 ] على ذلك فأضيف إلى نيته") كذا في القوت .

وقال العراقي : لم أجد له أصلا في الموصولات، وإنما رواه أبو إسحاق الفزاري في السير من وجه مرسل .

(وفي حديث عبادة) بن الصامت -رضي الله عنه- (عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من غزا) في سبيل الله (وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى") رواه أحمد والدارمي والنسائي والروياني وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي والضياء، وقد تقدم غير مرة .

(وقال أبي) بن كعب -رضي الله عنه-: (استعنت رجلا يغزو معي، فقال: لا، حتى تجعل لي جعلا، فجعلت له، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له") كذا في القوت .

قال العراقي : رواه الطبراني في مسند الشاميين .

ولأبي داود بإسناد جيد من حديث يعلى بن أمية : " أنه استأجر أجيرا للغزو، وسمى ثلاثة دنانير، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى " اهـ .

قلت: وحديث يعلى أخرجه كذلك الحاكم، ورواه الطبراني في الكبير من حديث عوف بن مالك .

التالي السابق


الخدمات العلمية