إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص .

اعلم أن الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جلي وبعضها خفي وبعضها ضعيف مع الجلاء ، وبعضها قوي مع الخفاء ، ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال .

وأظهر مشوشات الإخلاص الرياء فلنذكر منه مثالا .

فنقول : الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصا في صلاته ، ثم نظر إليه جماعة ، أو دخل عليه داخل ، فيقول له : حسن صلاتك ؛ حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار والصلاح ، ولا يزدريك ولا يغتابك ، فتخشع جوارحه ، وتسكن أطرافه ، وتحسن صلاته ، وهذا هو الرياء الظاهر ، ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين .

الدرجة الثانية : يكون المريد قد فهم هذه الآفة ، وأخذ منها حذره ، فصار لا يطيع الشيطان فيها ، ولا يلتفت إليه ، ويستمر في صلاته كما كان .

فيأتيه في معرض الخير ويقول : أنت متبوع ومقتدى بك ، ومنظور إليك ، وما تفعله يؤثر عنك ، ويتأسى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزر إن أسأت ، فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدي ، بك في الخشوع وتحسين العبادة ، وهذا أغمض من الأول وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول ، وهو أيضا عين الرياء ، ومبطل للإخلاص ، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه ، فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة ، ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه ، فهذا محض التلبيس بل المقتدي به هو الذي استقام في نفسه واستنار قلبه ، فانتشر نوره إلى غيره ، فيكون له ثواب عليه .

فأما هذا فمحض النفاق والتلبيس ، فمن اقتدى به أثيب عليه وأما هو : فيطالب بتلبيسه ، ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفا به .

الدرجة الثالثة : وهي أدق مما قبلها ، أن يجرب العبد نفسه في ذلك ، ويتنبه لكيد الشيطان ويعلم أن مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء ويعلم أن الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ويستحيي من نفسه ومن ربه أن يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته فيقبل على نفسه في الخلوة ، ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ ، ويصلي في الملأ أيضا كذلك .

فهذا أيضا من الرياء الغامض لأنه حسن صلاته في الخلوة لتحسن في الملأ ، فلا يكون قد فرق بينهما ، فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق .

بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس ، ثم يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ، ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلا والملا وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في الخلا والملأ جميعا وهذا من ، شخص مشغول الهم بالخلق في الملأ والخلا جميعا ، وهذا من المكايد الخفية للشيطان .

الدرجة الرابعة وهي : أدق وأخفى ، أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته ، فيعجز الشيطان عن أن يقول له : اخشع لأجلهم ؛ فإنه قد عرف أنه قد تفطن لذلك ، فيقول له الشيطان : تفكر في عظمة الله تعالى وجلاله ، ومن أنت واقف بين يديه واستح ، من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه ، فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ، ويظن أن ذلك عين الإخلاص وهو عين المكر والخداع ؛ فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة ولكان لا ، يختص حضورها بحالة حضور غيره ، وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ ، ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر ، كما لا يكون حضور البهيمة سببا فما دام يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء وهذا الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء .


بيان درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص

(اعلم ) وفقك الله تعالى (أن الآفات المشوشة للإخلاص ) المكدرة لصفوه (بعضها جلي ) أي: ظاهر (وبعضها خفي ) يدرك بالتأمل (وبعضها ضعيف مع الجلاء، وبعضها قوي مع الخفاء، ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال، وأظهر مشوشات الإخلاص ) وأقواها (الرياء ) ولذا جعل أكثرهم تركه إخلاصا، كما تقدم في أقوالهم .

(فلنذكر منه مثالا، فنقول: الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصا في صلاته، ثم نظر إليه جماعة، أو دخل عليه داخل، فيقول له: حسن صلاتك؛ حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار ) أي: التعظيم (والصلاح، ولا يزدريك ) أي: لا يحتقرك (ولا يغتابك، فتخشع جوارحه، وتسكن أطرافه، وتحسن صلاته، وهذا هو الرياء الظاهر، ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين ) فلا حاجة في التطويل فيه .

(الدرجة الثانية: يكون المريد قد فهم هذه الآفة، وأخذ منها حذره، فصار لا يطيع الشيطان فيها، ولا يلتفت إليه، ويستمر في صلاته كما كان، فيأتيه في معرض الخير ويقول: أنت متبوع ومقتدى بك، ومنظور إليك، وما تفعله يؤثر عنك، ويتأسى بك غيرك ) أي: ينقل عنك، ويقتدي بك فيه (فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت [ ص: 58 ] وعليك الوزر إن أسأت، فأحسن عملك بين يديه، فعسى يقتدى بك في الخشوع وتحسين العبادة، وهذا أغمض من الأول ) أي: أدق في المدرك .

(وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول، وهو أيضا عين الرياء، ومبطل للإخلاص، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه، فلم يرتضي لنفسه ذلك في الخلوة، ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه، فهذا محض التلبيس ) والغرور (بل المقتدى به هو الذي استقام في نفسه ) في أعماله وأحواله (واستنار قلبه، فانتشر نوره إلى غيره، فيكون له ثواب عليه، فأما هذه فمحض النفاق والتلبيس، فمن اقتدى به أثيب عليه ) لا محالة .

(وأما هو: فيطالب بتلبيسه، ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفا به .

الدرجة الثالثة: وهي أدق مما قبلها، أن يجرب العبد نفسه في ذلك، ويتنبه لكيد الشيطان ) وخداعه (ويعلم أن مخادعته بين الخلوة ) بين الناس (والمشاهدة للغير ) منهم (محض الرياء ) أي: خالصه (ويعلم أيضا أن الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ) من الناس (ويستحيي من نفسه ومن ربه أن يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته ) المستمرة (فيقبل على نفسه في الخلوة، ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ، ويصلي في الملأ أيضا كذلك، فهذا أيضا من الرياء الغامض ) الخفي مدركه (لأنه حسن صلاته في الخلوة لتحسن ) صلاته (في الملأ، فلا يكون قد فرق بينهما، فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق ) وهذا بمعزل عن الإخلاص الكامل .

(بل الإخلاص ) الكامل أن لا يلتفت إليهم مطلقا، ويكون وجودهم كعدمهم؛ إذ لا قوام لهم بنفوسهم، ويتحقق أن الموجود الثابت الحقيقي هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، الذي قامت ذاته بذاته، وكل شيء سواه قائم به، ومستند إلى قدرته، فإن عجز عن هذا الرفيع الذروة فالواجب في حقه (أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة ) أي: لا فرق بينهما .

(فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس، ثم يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين، ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلا والملا جميعا، وهذا شخص مشغول الهم بالخلق في الخلا والملا جميعا، وهذا من المكايد الخفية للشيطان ) ولأجل هذا كان المخلصون على خطر عظيم .

(الدرجة الرابعة: هي أدق وأخفى، أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته، فيعجز الشيطان عن أن يقول له: اخشع لأجلهم؛ فإنه قد عرف أنه يفطن لذلك، فيقول له الشيطان: تفكر في عظمة الله وجلاله، ومن أنت واقف بين يديه، واستح من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه، فيحضر بذلك قلبه ) وتنتفي عنه الخطرات (وتخشع جوارحه، ويظن أن ذلك عين الإخلاص ) إذ هو عبارة عن مراقبة القلب، ونسيان الحظوظ، وقد حصل كل منهما .

(وهذا عين المكر والخداع؛ فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله ) وعظمته (لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة، ومراقبة القلب في وقت دون وقت لا يجدي نفعا، لولا أن تدوم في الأحوال كلها، ولكان يختص حضورها بحالة حضور غيره، وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ، ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر، كما لا يكون حضور البهيمة [ ص: 59 ] سببا ) لذلك .

(فما دام يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص ) وكماله (مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء ) بحسب قوة انصراف وجهة قلبه عن الله تعالى وضعفها (وهذا الشرط أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، كما ورد به الخبر ) من حديث أبي بكر وعائشة وابن عباس وأبي هريرة بألفاظ مختلفة، مع زيادات، وقد تقدم في كتاب العلم، وكتاب ذم الجاه والرياء .

التالي السابق


الخدمات العلمية