إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الباب الثاني في طول الأمل وفضيلة قصر الأمل وسبب طوله وكيفية معالجته .

فضيلة قصر الأمل .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك لموتك ، ومن صحتك لسقمك ، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا وروى علي كرم الله وجهه أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى ، وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا . ثم قال إلا : إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ويبغض ، وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان ، ألا إن للدين أبناء ، وللدنيا أبناء ، فكونوا من أبناء الدين ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ألا إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل وقالت أم المنذر اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عشية إلى الناس فقال : أيها الناس أما تستحيون من الله ، قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : تجمعون ما لا تأكلون ، وتؤملون ما لا تدركون ، وتبنون ما لا تسكنون .

وقال أبو سعيد الخدري اشترى أسامة بن زيد من زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر ، إن أسامة لطويل الأمل ، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي ، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت . ثم قال : يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين " وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يهريق الماء فيتمسح بالتراب فأقول له : يا رسول الله إن الماء منك قريب ، فيقول : ما يدريني لعلي لا أبلغه .

وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أعواد ، فغرز عودا بين يديه ، والآخر إلى جنبه ، وأما الثالث فأبعده فقال : هل تدرون ما هذا صورة بالأصل ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا الإنسان ، وهذا الأجل ، وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم ، ويختلجه الأجل دون الأمل وقال عليه السلام : مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية ، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم قال ابن مسعود هذا المرء ، وهذه الحتوف حوله شوارع إليه والهرم وراء الحتوف ، والأمل وراء الهرم ، فهو يؤمل ، وهذه الحتوف شوارع إليه فأيها ، أمر به أخذه ، فإن أخطأته الحتوف قتله الهرم ، وهو ينتظر الأمل .

قال عبد الله خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا ، وخط وسطه خطا ، وخط خطوطا إلى جنب الخط ، وخط خطا خارجا ، وقال : أتدرون ما هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا الإنسان للخط الذي في الوسط ، وهذا الأجل محيط به ، وهذه الأعراض للخطوط التي حوله تنهشه ، إن أخطأه هذا نهشه هذا ، وذاك الأمل . يعني الخط الخارج وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يهرم ابن آدم ، ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل وفي رواية وتشب معه اثنتان : الحرص على المال ، والحرص على العمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

: نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل .

وقيل : بينما عيسى عليه السلام جالس وشيخ يعمل بمسحاة يثير بها الأرض فقال عيسى اللهم انزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة فقال عيسى اللهم اردد إليه الأمل فقام فجعل يعمل فسأله عيسى عن ذلك فقال : بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير ، فألقيت المسحاة واضطجعت ، ثم قالت لي نفسي والله لا بد لك من عيش ما بقيت ، فقمت إلى مسحاتي .

وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكلكم يحب أن يدخل الجنة ؟ قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : قصروا من الأمل ، وثبتوا آجالكم بين أبصاركم ، واستحيوا من الله حق الحياء وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة ، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات ، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل .


* (الباب الثاني في طول الأمل وفضيلة قصر الأمل وسبب طوله وكيفية معالجته ) *

وفيه أربعة فصول. *الفصل الأول في (فضيلة قصر الأمل )

اعلم أن الأمل هو توقع حصول الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول أملت الوصول، ولا يقول طمعت، إلا إن قرب منها، فإن الطمع ليس إلا في القريب. والرجاء بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله. ويقال لما في القلب مما ينال من الخير أمل، ومن الخوف إيحاش، ولما لا يكون لصاحبه ولا عليه خطر، ومن الشر وما لا خير فيه وسواس. وقصره حبس النفس عنه، يقال قصرت نفسي على هذا الأمر إذا لم يطمح إلى غيره، وقصرت من طرفي لم أرفعه إلى مكروه .

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر ) بن الخطاب رضي الله عنهما: (إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا ) . قال العراقي: رواه ابن حبان، ورواه البخاري من قول ابن عمر في آخر حديث: كن في الدنيا كأنك غريب اهـ. قلت: ورواه البخاري من طريق الأعمش عن مجاهد عنه به إلى قوله: عابر سبيل مرفوعا من حديث ابن عمر، وما سوى ذلك فإنه من قوله لمجاهد. وروى ابن المبارك في الزهد، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، من طريق سفيان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: يا عبد الله بن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور". وقال أبو نعيم في الحلية حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا حبيب بن الحسن حدثنا يوسف القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا زائدة ح وحدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان البصري حدثنا عبد الله بن أحمد الدورقي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير ح وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان واللفظ له قالوا عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال لي: وأحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنك لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وصارت موافاة الناس في أمر الدنيا، وإن ذلك لا يجزي عن أهله شيئا. قال: وقال لي ابن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، فإنك يا عبد الله بن عمر لا تدري ما اسمك غدا. قال: وأخذ [ ص: 237 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: "كن في الدنيا غريبا أو عابر سبيل، وعد نفسك في أهل القبور". قال أبو نعيم: ولم يذكر خلاد وزهير وزائدة قوله في الموالاة، ووافقوه في الباقي. ورواه الحسن بن الحر، وفضيل بن عياض، وجرير، وأبو معاوية في آخرين عن ليث، ورواه الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر نحوه .

(وروي عن علي- كرم الله وجهه- أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن أشد ما أخاف عليكم خصلتين ) كذا في النسخ، قال العراقي: صوابه خصلتان (اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فأن يصد ) أي يمنع (عن الحق ) أي عن قبوله، وفي لفظ: يضل بدل يصد (وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا. ثم قال: ألا إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ويبغض، وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان، ألا إن للدين أبناء، وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ) أي مدبرة إلى دارها (ألا إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ) بوجهها (ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم توشكون في يوم الحساب ليس فيه عمل ) . قال العراقي: رواه بطوله ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل، ورواه أيضا من حديث جابر بنحوه، وكلاهما ضعيف اهـ. قلت: روى ابن عدي من حديث جابر: "أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل". ورواه ابن النجار من حديثه بلفظ: "أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل، واتباع الهوى، فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل". قال العقيلي: فيه يحيى بن مسلمة بن قعنب حدث بالمناكير .

وقد رواه ابن عساكر في التاريخ من حديث علي موقوفا، وذكره الشريف الموسوي في نهج البلاغة في جملة خطبه ولفظه: "أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتباع الهوى، وطول الأمل; فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا وإن الدنيا قد ولت فداء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء اصطبها صلبها، ألا وإن الآخرة قد أقبلت، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة، وإن اليوم عمل لا حساب، وغدا حساب ولا عمل". ورواه الحاكم في التاريخ، والديلمي من حديث جابر بلفظ: "إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى، وطول الأمل، فأما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، وهذه الدنيا مرتحلة ذاهبة، وهذه الآخرة مقبلة صادقة، ولكل واحدة منهما بنون، فإن استطعتم أن تكونوا من بني الآخرة، ولا تكونوا من بني الدنيا، فافعلوا، فإنكم اليوم في دار عمل ولا حساب، وأنتم غدا في دار حساب ولا عمل". وروى ابن النجار من حديث علي: "إن أشد ما أتخوف عليكم خصلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق، وأما طول الأمل فالحب للدنيا".

(وقالت أم المنذر ) الأنصارية- رضي الله عنها- : (اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عشية إلى الناس فقال: أيها الناس أما تستحيون من الله، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون، وتبنون ما لا تسكنون ) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب بإسناد ضعيف، وقد تقدم اهـ. قلت: الذي تقدم أنه من حديث أم الوليد بنت عمر بن الخطاب ذكرها الدارقطني في الأخوة، وقال: روى حديثها الطبراني وفيها نظر اهـ. قال الحافظ في الإصابة: حديثها أنها قالت: "اطلع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات عشية فقال: أيها الناس ألا تستحيون؟ قالوا: مم ذاك يا رسول الله؟ قال: تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تعمرون، وتؤملون ما لا تدركون". أخرجه الطبراني من رواية عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي عن الوازع بن نافع عن سالم بن عبد الله بن عمر عنها، وقال ابن منده: ورواه سعيد بن عبد الحميد بن جعفر عن علي بن ثابت عن الوازع بن نافع نحوه. قال الحافظ: والطريقان ضعيفان .

(وقال أبو سعيد الخدري ) رضي الله عنه: (اشترى أسامة بن زيد ) الكعبي- رضي الله عنهما- حب رسول الله، وابن حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (من زيد بن ثابت ) الأنصاري- رضي اللهعنه- [ ص: 238 ] (وليدة ) أي جارية (بمائة دينار إلى شهر ) قال: (فسمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري ) بضم الشين المعجمة، وسكون الفاء، وهو حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، والجمع أشفار (لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت. ثم قال: يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" ) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والطبراني في مسند الشاميين، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب بسند ضعيف اهـ. قلت: ورواه كذلك ابن عساكر في التاريخ .

(وعن ابن عباس ) رضي الله عنه (أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يخرج ) أي إلى الخلاء (يهريق الماء فيتمسح بالتراب ) أي يتيمم به (فأقول له: يا رسول الله إن الماء منك قريب، فيقول: ما يدريني لعلي لا أبلغه ) . قال العراقي: رواه ابن المبارك في الزهد، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والبزار بسند ضعيف. (وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أعواد، فغرز عودا بين يديه، والآخر إلى جنبه، وأما الآخر فأبعده فقال: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا الإنسان، وهذا الأجل، وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم، ويختلجه الأجل دون الأمل ) . قال العراقي: رواه أحمد، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل، واللفظ له، والرامهرمزي في الأمثال، من رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري، وإسناده حسن. ورواه ابن المبارك في الزهد، وابن أبي الدنيا، من رواية أبي المتوكل مرسلا اهـ. قلت: لفظ ابن المبارك عن أبي المتوكل الناجي هو الذي ساقه المصنف هنا، وأما لفظ أحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز عودا ثم غرز إلى جنبه آخر ثم غرز الثالث فأبعده، قال: "هل تدرون ما هذا؟ هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا أمله، يتعاطى الأمل فيختلجه الأجل دون ذلك". وروى ابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والديلمي، من حديث أنس: "مثل الإنسان، والأمل، والأجل، فمثل الأجل إلى جانبه، والأمل أمامه، فبينما هو يطلب الأمل أمامه إذ أتاه الأجل فاختلجه".

(وقال صلى الله عليه وسلم: مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم ) . قال العراقي: رواه الترمذي من حديث عبد الله بن الشخير، وقال حسن اهـ. قلت: هو هكذا في السنن بزيادة: حتى يموت، وقال حسن غريب. ورواه كذلك الطبراني، والبيهقي، والضياء، كلهم من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه. ورواه أبو نعيم في الحلية عن الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن فراس حدثنا سليم بن قتيبة حدثنا عمر عن قتادة عن مطرف به فذكره. (قال ابن مسعود ) رضي الله عنه: (هذا المرء، وهذه الحتوف ) أي المنايا المهلكة (حوله شوارع إليه ) أي بارزة إليه مشرعة نحوه (والهرم وراء الحتوف، والأمل وراء الهرم، فهو يؤمل، وهذه الحتوف شوارع إليه، فأيهما أمر به أخذه، فإن أخطأته الحتوف ) ولم تصبه (قتله الهرم، وهو ينتظر الأمل ) .

(وقال عبد الله ) بن مسعود رضي الله عنه: (خط لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطا مربعا، وخط وسطه خطا، وخط خطوطا إلى جنب الخط، وخط خطا خارجا، وقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا الإنسان للخط الذي في الوسط، وهذا الأجل محيط به، وهذه الأعراض للخطوط التي حوله تنهشه، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذاك الأمل. يعني الخط الخارج ) . قال العراقي: رواه البخاري. قلت: قال أبو نعيم في الحلية حدثنا سليمان بن أحمد [ ص: 239 ] حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ح وحدثنا سليمان حدثنا حفص بن عمر حدثنا قبيصة بن عقبة قالا حدثنا سفيان ح وحدثنا أبو إسحاق بن حمزة حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي حدثنا أبو خيثمة حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى منذر الثوري عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا مربعا، وجعل في وسط الخط خطا، وجعل خطا خارجا من المربعة دارة، وجعل حوله حروفا، وخط حولها خطوطا، فقال: "المربع الأجل، والخط الوسط الإنسان، وهذه الدارة الخارجة الأمل، وهذه الحروف الأعراض، والأعراض تصيبه من كل مكان، كلما انفلت من واحدة أخذت واحدة، والأجل قد حال دون الأمل"; لفظ سليمان. وقال يحيى بن سعيد: هذه الخطوط التي إلى جنبيه الأعراض تنهشه من كل مكان، إن أخطأ هذا أصابه هذا، والخط المربع الأجل المحيط به، والخط الخارج الأمل. قال الشيخ أبو نعيم: حديث صحيح، متفق على صحته، لم يروه عن الربيع إلا منذر.

(وقال أنس ) رضي الله عنه: (قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : يهرم ) أي يكبر (ابن آدم، ويبقى منه ) خصلتان (اثنتان ) استعارة يعني تستحكم في قلب الشيخ كاستحكام قوة الشاب في شبابه (الحرص والأمل ) فالحرص فقره، ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، وإنما لم تكبر هاتان لأن المرء جبل على حب الشهوات، وإنما تنال هي بالمال والعمر. قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل بإسناد صحيح اهـ. قلت: بل رواه بهذا اللفظ أحمد، والشيخان، تعليقا، والنسائي، كلهم من طريق شعبة عن قتادة عن أنس; وفي لفظ للبخاري: يكبر بدل يهرم. (وفي رواية ) يهرم ابن آدم (وتشب معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر ) . قال العراقي: رواه مسلم بهذا اللفظ. قلت: وكذلك رواه الطيالسي، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، كلهم من طريق هشام عن قتادة عن أنس. ولفظ الطيالسي: يكبر، ومن طريقه رواه أبو نعيم في الحلية، ورواه الطبراني من حديث سمرة، وفي المقاصد للسخاوي، وفي لفظ: يشيب ابن آدم وتشب منه اثنتان، وذكر صاحب البستان عن أبي عثمان النهدي قال: بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة، وما من شيء إلا وقد أنكرته إلا أملي فإني أجده كما هو .

(وقال صلى الله عليه وسلم: نجا أول هذه الأمة ) وهم الصحب، والتابعون بإحسان، ومن داناهم من السلف، (باليقين والزهد ) أي بالثقة بالله في أمورهم، والتجافي عن الدنيا بالزهد فيها (ويهلك ) أي يكاد يهلك (آخر هذه الأمة بالبخل والأمل ) . أي بالاسترسال فيهما. والمراد من ذلك أن الصدر الأول قد تحلوا باليقين والزهد، وتخلوا عن البخل والأمل، وذلك من أسباب النجاة من العقاب، وفي آخر الزمان ينعكس الحال، وذلك من الأسباب المؤدية للهلاك. قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اهـ. قلت: وكذلك رواه أبو بكر بن لال في مساوئ الأخلاق، والخطيب في كتاب البخلاء، وابن لهيعة لا يحتج به .

ثم إن المذموم من ذلك الاسترسال فيه لا قطع أصله، وإليه أشار المصنف بقوله (وقيل: بينما عيسى عليه السلام جالس وشيخ يعمل بمسحاة ) بكسر الميم آلة من حديد (يثير بها الأرض ) أي يخدمها (فقال عيسى ) عليه السلام في نفسه: (اللهم انزع منه الأمل ) فاستجيب له (فوضع الشيخ المسحاة ) وترك الشغل (واضطجع ) على جنبه يستريح (فلبث ساعة ) على ذلك (فقال ) عيسى عليه السلام في نفسه: (اللهم اردد إليه الأمل ) فاستجيب له (فقام ) الشيخ (فجعل يعمل ) في الأرض (فسأله عيسى عليه السلام عن ذلك فقال: بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير، فألقيت المسحاة واضطجعت، ثم قالت لي نفسي والله لا بد لك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي ) . رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل.

(وقال الحسن ) البصري رحمه الله تعالى: (قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : أكلكم يحب أن يدخل الجنة؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: قصروا من الأمل، وثبتوا آجالكم بين أبصاركم، واستحيوا من الله حق الحياء ) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل هكذا من حديث الحسن مرسلا اهـ. قلت: والشطر الأخير رواه أحمد، والترمذي، من حديث ابن مسعود، والخرائطي من حديث عائشة [ ص: 240 ] والطبراني في الأوسط من حديث الحكم بن عمير. (وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل ) . قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل من رواية حوشب عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وفي إسناده ضعف وجهالة، ولا أدري من حوشب اهـ. قلت: ورواه ابن أبي الدنيا أيضا في كتاب اليقين، ووجدت بخط الشيخ شمس الدين الداودي ما نصه: هو تابعي صغير، وله رواية عن الحسن في كتاب ابن أبي الدنيا أيضا اهـ. قلت: هذا التابعي الذي ذكره له ذكر في الحلية في ترجمة محمد بن واسع من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: سمعت مالك بن دينار يقول لحوشب: لا تبت وأنت شبعان، ودع الطعام وأنت تشتهيه، فقال حوشب هذا وصف أطباء أهل الدنيا، قال ومحمد بن واسع يسمع كلامهما، فقال: نعم، ووصف أطباء أهل الآخرة، فقال مالك: بخ بخ دواء للدين والدنيا. وفي الصحابة اثنان يقال لهما حوشب، كل منهما غير منسوب، لأحدهما رواية في مسند أحمد، وللثاني في مسند الحسن بن سفيان، والنوادر للحكيم، فليحرر. والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية