إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال عبد الله بن زمعة جاء بلال في أول ربيع الأول فأذن بالصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقام عمر فلما كبر وكان رجلا صيتا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته بالتكبير فقال : أين أبو بكر ، يأبى الله ذلك والمسلمون ، قالها ثلاث مرات : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فقالت عائشة ، رضي الله عنها : يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قام في مقامك غلبه البكاء فقال : إنكن صويحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس قال فصلى أبو بكر بعد الصلاة التي صلى عمر فكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة بعد ذلك ويحك ماذا صنعت بي ، والله لولا أني ظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك ما فعلت .

فيقول عبد الله : إني لم أر أحدا أولى بذلك منك .


(وقال عبد الله بن زمعة) بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي ابن أخت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- واسم أمه قريبة بنت أبي أمية، قال عياض في المشارق: زمعة بسكون الميم، وضبطناه عن ابن بحر بفتح الميم حيث وقع، وكلاهما يقال، قال الحافظ في الفتح: ووقع في الكاشف للذهبي أنه أخو سودة أم المؤمنين، وهو وهم يظهر صوابه من سياق نسبها، قال البغوي: كان يسكن المدينة وله أحاديث، ويقال: إنه كان يأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل يوم الدار، سنة خمس وثلاثين، وبه جزم أبو حسان الزيادي، روى له الجماعة (جاء بلال) -رضي الله عنه- (في أول) شهر (ربيع الأول فأذن بالصلاة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مروا أبا بكر يصلي بالناس) أي: يؤمهم قال (فلم أر بحضرة الباب إلا عمر) بن الخطاب، رضي الله عنه (في رجال ليس فيهم أبو بكر) -رضي الله عنه- (فقلت: قم يا عمر فصل بالناس فقام عمر) واصطف الناس (فلما كبر) للصلاة (وكان رجلا صيتا) أي: جهير الصوت (سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صوته بالتكبير) لقرب الحجرة من المسجد (فقال: أين أبو بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون، قالها ثلاث مرات: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة، رضي الله عنها: يا رسول الله أن أبا بكر رجل رقيق) أي: قلبه رقيق (إذا قام مقامك غلبه البكاء) أي: لما يلاحظ من فقده -صلى الله عليه وسلم- وما كان يجد من أنسه وأنواره (فقال: إنكن صواحبات يوسف) -عليه السلام- جمع صاحبة، أي: في إظهار خلاف ما في الباطن، أي: في التظاهر والتعاون على ما ترون، وكثرة إلحاحكن على ما تملن إليه، وهذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدة، وهي عائشة، على أن في رواية البخاري أنها قالت لحفصة أنها تقول ما قالت، أي: فمر عمر فليصل بالناس، فقالت ذلك، فحينئذ قال ما قال، وأقل الجمع اثنان (مروا أبا بكر فليصل بالناس) وفيه أنه لا يقدم للإمامة إلا أفضل القوم فقها وقراءة وورعا وغيرها، وفي تكرير أمره بتقديمه الدلالة الظاهرة عند من له أدنى رفق بل إيمان على أنه أحق الناس بخلافته، وقد وافق على ذلك علي وغيره من أهل البيت، ووجه الشبه بصواحبات يوسف أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك وهي أن ينظرن حسن يوسف فيعذرنها في محبته، وعائشة -رضي الله عنها- أظهرت أن سبب محبتها صرف الإمامة عن أبيها وعدم استماعه القراءة، ومرادها زيادة على ذلك في أن لا يتشاءم الناس به .

(قال) الراوي (فصلى أبو بكر بعد الصلاة التي صلى عمر) بالناس سبع عشرة صلاة كما نقله الدمياطي (فكان عمر يقول لعبد الله بن زمعة) رضي الله عنهما (بعد) ذلك (ويحك ماذا صنعت بي، والله لولا أني ظننت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرك ما فعلت، فيقول عبد الله: إني لم أر أحدا أولى بذلك منك) قال العراقي: رواه أبو داود بإسناد جيد مختصرا دون يأبى الله ذلك والمؤمنون مرتين، وفي رواية له: فقال: لا لا لا، ليصل للناس ابن أبي قحافة، يقول ذلك تغضبا، وأما ما أخره من قول عائشة ففي الصحيح من حديثها فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مكانك لم يسمع الناس من البكاء، فقال [ ص: 292 ] إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. انتهى .

قلت: رواه الشيخان واللفظ للبخاري، وفي روايته: إن أبا بكر رجل أسيف، وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري: فمروا عمر فليصل بالناس، قالت: قلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لا يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا، ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث قال عاصم: والأسيف، الرقيق الرحيم .

* (تنبيه) *

في الحديث السابق: سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، إشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده، فإن الإمام يحتاج إلى سكن المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلي بالناس أبو بكر، فروجع في ذلك وهو يقول: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فولاه إمامة الصلاة، ولذا قال الصحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟

التالي السابق


الخدمات العلمية