إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الباب السابع في حقيقة الموت .

وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور .

بيان حقيقة الموت .

اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد أخطئوا فيها فظن بعضهم أن الموت هو العدم وأنه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير والشر وأن موت الإنسان كموت الحيوانات وجفاف النبات ، وهذا رأي الملحدين وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وظن قوم أنه ينعدم بالموت ولا يتألم بعقاب ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر وقال آخرون إن الروح باقية لا تنعدم بالموت وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة .

ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها حتى أنها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة ولذلك ، قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد ويتنعم بأنواع الفرح والسرور ، وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده .


(الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور)

اعلم بصرك الله تعالى (أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة) وآراء مختلفة (قد أخطئوا فيها فظن بعضهم أن الموت هو العدم) المحض (وأنه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير ولا للشر وأن موت الإنسان كموت الحيوانات وجفاف النبات، وهذارأي الملحدين وكل من يؤمن بالله واليوم الآخر) وهم طوائف من العرب الذين أنكروا الإحياء والإعادة بعد الموت وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين وقال في بعض هذه الطائفة، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه الآية، وهؤلاء من العرب في الجاهلية غير من مال منهم إلى النصرانية فتنصر من عرب الشام من قضاعة وغسان وبعض ربيعة، وغير من تهود منهم من ملوك حمير وبني كنانة وبني كندة، وغير من تمجس منهم لقربهم من الفرس كبني زرارة بن عدس، ومنهم من غلاة الإمامية المنصورية أصحاب منصور العجلي كفروا بالقيامة وبالإحياء بعد الموت، واستحلوا المحارم والمحرمات ومنهم المعمرية صنف من الخطابية زعموا أن الدنيا لا تفنى، وأنكروا الإعادة والإحياء بعد الموت .

(وظن قوم أنه ينعدم بالموت ولا يتألم بعقاب ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر) وهو مذهب الجهمية والخوارج، قالوا: إن إحياء الأموات لا يكون إلا في القيامة وينكرون عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، وإلى هذا القول ذهب ضرار وبشر المريسي والنجارية، وقال: ضرار إن منكرا هو العمل السيئ ونكيرا هو النكير من الله -عز وجل- على صاحب الفعل المنكر، ويقرب من ذلك قول من زعم من المعتزلة أن إحياء الأموات، ورد أهل القبور إنما يكون بين النفختين لأن الله -عز وجل- قال: ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون قالوا: فجائز أن يكونوا معذبين بين النفختين وأن يكونوا منعمين بينهما، وهذا قول أبي الهذيل وبشر بن المعتمر وأتباعهما من القدرية، ومنهم من شك في وقت الإحياء بعد الموت وقبل القيامة، وقال: يجوز أن يكون إحياء الميت بعدد دخول القبر، ويجوز أن يكون بعده ولم يقطعوا على وقته، وهذا قول الجبائي وأتباعه من القدرية .

(وقال آخرون إن الروح باقية لا تنعدم بالموت وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا) والقائلون بهذا أصناف منهم من قال: إن الإحياء يكون في القيامة دون القبر إلا أن عذاب القبر لأهل العذاب صحيح ثابت على الوجه الذي يشعر به الميت وهو ميت وشبه الميت في ذلك بالنائم والمغلوب على عقله، وهذا القول حكاه الكعبي عن غسان القاضي قال أبو منصور التميمي، وغلط الحاكي عنه فإن غسانا كان من أصحابنا وقوله في هذه المسألة كقولنا، وإنما يصح هذا القول على مذاهب الكرامية [ ص: 376 ] الذين زعموا أن الميت يصح أن يكون فيه علم بالألم وغيره، ولا أعلم أحدا قال بمثل هذا من أصحاب الحديث إلا محمد بن جرير الطبري، ومنهم من زعم أن الإحياء يكون في القيامة وأن الميت في قبره قد يحدث الله فيه الألم وهو لا يشعر، فإذا حشر وجد ذلك الألم في وقته الذي حشر فيه، وشبهوه بسكران نام في الشمس فأثرت فيه وهو لا يشعر بذلك، فإذا أفاق وجد ألم ذلك في نفسه، وكذلك المغشي عليه إذا ضرب في حال الغشي (وكل هذه ظنون فاسدة) وآراء (مائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط) وانتقال من دار إلى دار وليس بعدم محض ولا فناء صرف (وإن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة) وهذا قول أهل السنة والجماعة وفقهاء الحجاز والعراق ومتكلمي الصفاتية (ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها حتى إنها تبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة، وكذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد يتنعم بأنواع الفرح والسرور، وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد) .

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: في كل جسد روحان إحداهما روح اليقظة التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات والأخرى روح الحياة التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيا فإن فارقته مات فإذا رجعت إليه حيي وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف مقرهما إلا من أطلعه الله على ذلك فهما كجنينين في بطن امرأة واحدة، وقال بعض المتكلمين الذي يظهر أن الروح بقرب القلب قال ابن عبد السلام: ولا يبعد عندي أن تكون الروح في القلب، قال: ويدل على روح الحياة في قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس الآية، تقديره يتوفى الأنفس التي لم تمت أجسادها في منامها فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت عنده ولا يرسلها إلى أجسادها ويرسل الأنفس الأخرى وهي أنفس اليقظة إلى أجسادها إلى انقضاء أجل مسمى وهو أجل الموت فحينئذ تقبض أرواح الحياة وأرواح اليقظة جميعا من الأجساد، ولا تموت أرواح الحياة، بل ترفع إلى السماء حية فتطرد أرواح الكافرين ولا تفتح لها أبواب السماء، وتفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين إلى أن تعرض على رب العالمين فيا لها من عرضة أشرفها. اهـ .

قال السيوطي في شرح الصدور: وما ذكره من أن الروح في القلب قد جزم به الغزالي في كتابه "الانتصار" وقد ظفرت له بحديث: أخرج ابن عساكر في تاريخه عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي، ثم البهزي، قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة فقال: يا رسول الله أخبرني عن ظلمة الليل وضوء النهار وحر الماء في الشتاء وبرده في الصيف ومخرج السحاب وعن قرار ماء الرجل وماء المرأة وعن موضع النفس من الجسد، فذكر الحديث إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأما موضع النفس ففي القلب، والقلب معلق بالنياط والنياط يسقي العروق، فإذا هلك القلب انقطع العرق، الحديث بطوله، وهذا مرسل وله طرق أخرى مرسلة وموصلة في المعجم الأوسط للطبراني، وتفسير ابن مردويه وكتاب الصحابة لأبي موسى المديني وابن شاهين، قال ابن حجر في الإصابة: والحديث فيه غريب كثير وإسناده ضعيف جدا. انتهى .

قلت: قال في الإصابة في ترجمته رواه ابن مردويه في التفسير من طريق أبي عمران الجوني عن ابن جريج عن عطاء عن جابر أن خزيمة بن ثابت وليس بالأنصاري سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البلد الأمين، فقال: مكة.

رواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولا جدا، وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا أبو عمران قال أبو موسى: رواه أبو معشر وعبيد بن حكيم عن ابن جريج عن الزهري مرسلا لكن قال خزيمة بن حكيم السلمي، وكذا سماه ابن شاهين من طريق يزيد بن عياض عن الزهري فذكره مطولا في نحو ورقتين وفيه غريب كثير وإسناده ضعيف جدا مع انقطاعه، وروينا في تاريخ ابن عساكر من طريق عبيد بن حكيم عن ابن جريج مطولا كذلك، وروي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة عن خزيمة بن حكيم أيضا (ولا يبعد أن تعاد إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث) من القبر [ ص: 377 ] (والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده) وأهل السنة أثبتوا الإحياء في كل من الحالين، وأما بين النفختين فهو حال خمود وهمود يموت الخلق بينهما من غير أن يكون بينهما ما سعى سوى الملك الإله الواحد القهار، والدليل على الإحياء في القبر مبني على صحة ما ورد به الخبر ونزل عليه القرآن من عذاب القبر؛ لأن العذاب والألم لا يصح إلا للحي .

التالي السابق


الخدمات العلمية