إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : لكل نبي دعوة مستجابة ، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب : للأنبياء منابر من ذهب فيجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه قائما بين يدي ربي منتصبا مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي ، فأقول يا رب أمتي ، فيقول الله عز وجل : يا محمد ، وما تريد أن أصنع بأمتك ؟ فأقول : يا رب عجل حسابهم . فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار ، وحتى إن مالكا خازن النار يقول : يا محمد ما تركت النار لغضب ربك في أمتك من بقية وقال صلى الله عليه وسلم : إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر .

وقال أبو هريرة أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد المرسلين يوم القيامة ، وهل تدرون مم ذلك ؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس بعضهم لبعض : ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : عليكم بآدم عليه السلام فيأتون آدم فيقولون له : أنت أبو البشر خلقك الله تعالى بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ؟! ألا ترى ما ؟! قد بلغنا ؟ فيقول لهم آدم عليه السلام : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح ، فيأتون نوحا عليه السلام فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله ، فيأتون إبراهيم خليل الله عليه السلام فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإني ، كنت كذبت ثلاث كذبات ويذكرها نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى عليه السلام فيقولون : يا موسى ، أنت رسول الله فضلك برسالته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى عليه السلام ، فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى ، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فيقول عيسى عليه السلام : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فيقولون : يا محمد ، أنت رسول الله وخاتم النبيين وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله لي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد ، ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول : أمتي أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد ، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من ، أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده إن بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى وفي حديث آخر .

هذا السياق بعينه مع ذكر خطايا إبراهيم وهو قوله في الكواكب : هذا ربي ، وقوله لآلهتهم : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله إني : سقيم .


(وقال صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مستجابة، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) .

قال العراقي : متفق عليه من حديث أنس، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة . قلت: روي ذلك من حديث أبي هريرة وجابر وأبي سعيد، فحديث أبي هريرة رواه أحمد والشيخان بلفظ: لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وفي رواية مسلم : لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وفي رواية للشيخين: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فأستجيب له، وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وفي رواية لمسلم: لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا، ورواه كذلك الترمذي وابن ماجه، وأما حديث جابر فرواه أحمد ومسلم وابن خزيمة بلفظ: لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه عبد بن حميد وأبو يعلى وابن عساكر بلفظ: كل نبي قد أعطي عطية فتنجزها، وإني اختبأت عطيتي شفاعة لأمتي يوم القيامة .

(وقال ابن عباس ) -رضي الله عنه- (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: تنصب للأنبياء منابر من ذهب فيجلسون عليها ويبقى منبري) فارغا (لا أجلس عليه) لكن أقوم (قائما بين يدي ربي منتصبا مخافة أن يبعث بي الله الجنة وتبقى أمتي بعدي، فأقول يا رب أمتي، فيقول الله -عز وجل-: يا محمد، وما تريد أن تصنع بأمتك؟ فأقول: يا رب عجل حسابهم. فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار، وحتى إن مالكا خازن النار يقول: يا محمد ما تركت النار لغضب ربك في أمتك من بقية) .

قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط وفي إسناده محمد بن ثابت البناني ضعيف. قلت: هو محمد بن ثابت بن أسلم، روى له الترمذي، ضعفه النسائي وغير واحد، وقال الحاكم : لا بأس به .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر) .

قال العراقي : رواه أحمد والطبراني من حديث بريدة بسند حسن. قلت: لكن بزيادة: وشجر بعد مدر، وكذلك رواه البغوي وابن شاهين وابن قانع والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية من حديث أنس الأنصاري، قال الطبراني : هو عندي البياضي، قال الحافظ في الإصابة: روى البغوي وابن شاهين والطبراني في الأوسط من حديث عباد بن راشد عن ميمون بن سياه، عن شهر بن حوشب، قال: قام رجال خطباء يشتمون عليا ويقعون فيه، فقام رجل من الأنصار، يقال له: أنيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل وشتمه، وأقسم بالله لأنا سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر، أترون شفاعته تصل إليكم ويعجز عن أهل بيته؟ قال الطبراني في الوسط: لا يروى عن أنيس إلا بهذا الإسناد، قال: وأنيس الذي روى هذا الحديث هو عندي البياضي له ذكر في المغازي وتبعه أبو موسى .

(وقال أبو هريرة ) رضي الله عنه ( أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ) روي بالمهملة وبالمعجمة، وعلى الإهمال اقتصر ابن السكيت والمغني، قبض عليها وتناولها بمقدم أسنانه، وفرق بينهما الليث وتبعه ابن القوطية، وقال ثعلب: بالمهملة يكون بأطراف الأسنان بالمعجمة بها وبالأضراس، وتمام البحث في شرحي على القاموس .

(ثم قال: أنا سيد المرسلين) ، وفي لفظ: أنا سيد الناس (يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر) وفي لفظ: فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي (وتدنو الشمس) أي: تقرب من جماجمهم كما تقدم (فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يتحملون) أي: لما يصيبهم من [ ص: 490 ] المشقة والخزي (فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون) إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون (ما قد بلغكم) وفي رواية: إلى ما بلغتم (ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم -عليه السلام-) وفي رواية: ائتوا آدم (فيأتون آدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك) وفي رواية بزيادة: وأسكنك الجنة (اشفع) وفي رواية: ألا تشفع (لنا عند ربك؟! ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله) وفي رواية: ولا يغضب، (وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي) نفسي (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا -عليه السلام- فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟) وفي رواية: ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟ (فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله) ولا يغضب بعده مثله (وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي) وفي رواية: دعوت بها على قومي؛ أي: فاستجيب له فلم تبق لي دعوة أخرى، وفي رواية فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئة سؤله ربه ما ليس له به علم، كما قال تعالى إخبارا عنه ونادى نوح ربه الآية (نفسي نفسي) نفسي (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا عند ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإني كنت قد كذبت ثلاث كذبات ويذكرها) وفي رواية فذكرها وهي قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعل كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: قولي لهم إني أخته (نفسي نفسي) نفسي (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى -عليه السلام- فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالته) وفي رواية: برسالاته (وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضبه من قبل ولن يغضب بعده مثله وإني) قد (قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي) نفسي (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى -عليه السلام- فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضبه من قبل ولا يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي) نفسي (اذهبوا إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- فيأتوني) وفي رواية: فيأتون محمدا -صلى الله عليه وسلم- (فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم النبيين) وفي رواية: الأنبياء (و) قد (غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي) ثم (يفتح الله لي) وفي رواية علي: (من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطه) كذا في النسخ، وهكذا في حديث أنس عند البخاري، والرواية هنا: تعط بلا هاء، وهي تحتمل أن تكون هاء السكت أو ضميرا والمفعول محذوف تقديره: وسل ما شئت (واشفع تشفع) أي: تقبل شفاعتك (فأرفع رأسي فأقول: أمتي) يا رب (أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك [ ص: 491 ] من لا حساب عليهم) وفي رواية: عليه (من الباب الأيمن، ومن أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إن بين المصراعين من مصاريع أبواب الجنة كما بين مكة وحميرى) بضم الحاء المهملة وآخره ألف مقصورة كذا في النسخ، وهو تحريف من النساخ، والصواب: هجر (وكما بين مكة وبصرى) بضم الموحدة موضع بالشام، وفي لفظ: أو كما (وفي حديث آخر هذا السياق بعينه مع ذكر خطايا إبراهيم -عليه السلام- وهو قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم، وقوله: إني سقيم) .

قال العراقي : متفق عليه، وهذه الرواية الثانية أخرجها مسلم وقد روياه من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة، رواه كذلك أحمد والترمذي والشيخين أيضا من حديث أنس : يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي ربه -عز وجل- من ذلك ويقول: لكن ائتوا نوحا؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر لهم خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي ربه من ذلك، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس الذي قتل بغير نفس فيستحي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا لربي تبارك وتعالى، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، قل تسمع وسل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه أدعوه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا لربي تبارك وتعالى فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، قل تسمع وسل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا لربي تبارك وتعالى فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، قل تسمع وسل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود الرابعة، فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة.

وهكذا رواه أيضا الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، وروى مسلم وأبو عوانة والحاكم من حديث أبي هريرة وحذيفة معا: يجمع الله الناس يوم القيامة فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟! لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله، فيقول: لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول: اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح ثم كمر الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: يا رب سلم سلم. الحديث، وقد تقدم تمامه عند ذكر الصراط .

وروى أحمد والنسائي والدارمي وابن خزيمة والضياء من حديث أنس : إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا وأول من يدخل الجنة ولا فخر، آتي باب الجنة فإذا الجبار -عز وجل- مستقبلي فأسجد له فيقول: ارفع رأسك، فإذا بقي من بقي من أمتي في النار قال أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئا، فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار فيخرجون قد امتحشوا ويدخلون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله -عز وجل- فيقول أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون [ ص: 492 ] فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار .

وروى أحمد وابن خزيمة والضياء من حديثه أيضا: إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذا جاءني عيسى، فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث شاء الله لغم ما هم فيه، والخلق ملجمون في العرق، وأما المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل؛ فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، فقل له: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع. فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا، فما زلت أتردد إلى ربي -عز وجل- فلا أقوم منه مقاما إلا شفعت حتى أعطاني الله من ذلك أن قال: يا محمد، أدخل من أمتك من خلق الله -عز وجل- من شهد أن لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك .

وروى أبو داود والبيهقي من حديث عامر بن سعد عن أبيه رفعه: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، خررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي .

وروى الحاكم وابن عساكر من حديث عبادة ابن الصامت : إني لسيد الناس يوم القيامة غير فخر ولا رياء، وما من الناس من أحد وهو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج، وإن بيدي للواء الحمد فأمشي ويمشي الناس معه حتى آتي باب الجنة فأستفتح فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيقال: مرحبا بمحمد، فإذا رأيت ربي -عز وجل- خررت له ساجدا أشكر الله، فيقال: ارفع رأسك وقل تطع واشفع تشفع، ويخرج من النار من قد احترق، برحمة الله وشفاعته .

وروى الترمذي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر. الحديث، وفيه: فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم، فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني إذ أذنبت ذنبا أهبطت منه إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا، فيأتون نوحا، فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات ما منها كذبة إلى ما حل بها عن دين الله، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى فيقول: إني قد قتلت نفسا ولكن ائتوا عيسى فيأتون عيسى فيقول: إني عبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدا، فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبا، فأخر ساجدا، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك. وهو المقام المحمود .

وروى ابن أبي شيبة من حديث سلمان : يأتون محمدا فيقولون: يا نبي الله، أنت فتح الله بك وختم، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وجئت في هذا اليوم وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إلى ربنا، فيقول: أنا صاحبكم، فيجوس الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة .

وروى البخاري واللالكائي في السنة من طريق أبي الأحوص عن آدم ابن علي قال: سمعت ابن عمر يقول: الناس يوم القيامة يصيرون جثاء، كل أمة تتبع نبيها، تقول: يا فلان، اشفع لنا. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا .

وروى البخاري من حديث ابن عمران : الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما كذلك، استغاثوا: يا نوح، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك، ثم محمد بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا .

وروى الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو : يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله بما عصوا الله، واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته، فيؤذن لي في الشفاعة، فأثني على الله ساجدا كما أثني عليه قائما، فيقال: ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع .

* (فصل)

في الكلام على بعض ما يتعلق بالأخبار المتقدمة .

قال الحافظ في الفتح: قد استشكل في حديث البخاري قولهم لنوح : أنت أول الرسل من أهل الأرض؛ فإن آدم نبي مرسل، وكذا شيث وإدريس وهم قبل نوح .

وأجيب بما حاصله: إن الأولية مقيدة بقوله: أهل الأرض؛ لأن آدم ومن ذكر معه لم يرسلوا إلى أهل الأرض أو إن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلا، وإلى هذا جنح ابن بطال في حق سبعة، وتعقبه القاضي عياض بما سمعه ابن حبان من حديث أبي ذر فإنه كالصريح في أنه كان مرسلا، وفيه التصريح بإنزال المصحف على شيث، وهو من علامات الإرسال .

ومن الأجوبة أن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موجودون ليعلمهم شريعته، ونوح رسالته كانت إلى [ ص: 493 ] قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد، وذكر المصنف رحمه الله تعالى في الدرة الفاخرة أن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحا ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- .

قال الحافظ في الفتح: ولم أقف في ذلك على أصل، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها فلا يغتر بشيء منها .

ووقع في رواية حذيفة وأبي هريرة معا قول الخليل -عليه السلام-: إنما كنت خليلا من وراء وراء، هو بفتح الهمزة بلا تنوين، ويجوز البناء على الضم للقطع على الإضافة نحو من قبل ومن بعد، واختاره أبو البقاء، ويجوز فيه النصب والتنوين جوازا جيدا، أو المعنى: لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة الحبيب، وقيل: المراد أن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله بلا واسطة وكرر وراء إشارة إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- لأنه حصلت له الرؤيا والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو وراء محمد.

وأما ما ذكر من الكلمات الثلاث، فقال البيضاوي: الحق أنها إنما كانت في معارض الكلام لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استقصارا لنفسه عن الشفاعة؛ لأن من كان أعرف بالله وأقرب إليه منزلة كان أعظم خوفا، وأما قوله عن عيسى أنه لم يذكر ذنبا، فوقع في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي : إني اتخذت إلها من دون الله، وفي حديث أنس عند أحمد وابن خزيمة : إني لقائم أنتظر أمتي عند الصراط.. إلخ. أفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- حينئذ، وإن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف كله يقع عند نصب الصراط بعد تساقط الكفار في النار، وإن عيسى هو الذي يخاطب نبينا -صلى الله عليه وسلم- وإن جميع الأنبياء يسألونه في ذلك، وفي حديث سلمان عند ابن أبي شيبة حتى ينتهي إلى باب الجنة، قد يقال ما الحكمة من انتقاله -صلى الله عليه وسلم- من مكانه إلى الجنة؟

أجيب بأن أرض الموقف لما كانت مقام عرض وحساب كانت مكان مخافة وإشفاق، ومقام الشافع يناسب أن يكون في مكان إكرام، وفي حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم أمتدحه مدحة يرضى بها عني، وفي حديث أبي بكر الصديق : فينطلق إليه جبريل فيخر ساجدا قدر جمعة، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وفي حديث أنس : فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، فقل له: ارفع رأسك وعلى هذا فالمعنى يقول: على لسان جبريل، والظاهر أنه -صلى الله عليه وسلم- يلهم التحميد قبل سجوده وبعده، وفيه: ويكون في كل مكان يليق به؛ فإنه ورد في رواية: فأقوم بين يديه فيلهمني بمحامد لا أقدر عليها، ثم أخر ساجدا، وفي رواية: فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني، وفي رواية: فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد، وعند البخاري من حديث أنس، ثم أشفع فيحد لي حدا .

قال الطيبي : أي: يبين لي كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول: شفاعتك فيمن أخل بالجماعة تفصيل، ثم فيمن أخل بالصلاة ثم فيمن شرب الخمر ثم فيمن زنى وهكذا وهكذا على هذا الأسلوب، والذي يدل عليه سياق الأخبار أن المراد بها مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة .

وفي رواية ثابت عند أحمد : فأقول: أي رب، أمتي أمتي، فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة، ثم شعيرة، وزاد في حديث سلمان: ثم حبة خردل، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: ارجعوا؛ فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير.. قال عياض: قيل: معنى الخير اليقين، وأما قوله في رواية أنس عند البخاري : فأخرجهم من النار، فقال الداودي: كأن راوي هذا الحديث ركب شيئا على غير أصله، وذلك أن أول الحديث في الشفاعة في الإخراج، وهو إشكال قوي، وقد أجاب عنه النووي تبعا لعياض بأنه قد وقع في حديث حذيفة وأبي هريرة : فيأتون محمدا ويؤذن له في الشفاعة وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط؛ أي: يقفان في ناحيته، فبهذا يفصل الكلام؛ لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليها فيها لا راحة للناس من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج. انتهى .

والمعنى في قيام الأمانة والرحم أنهما لعظم شأنهما ومخافة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان للأمين والخائن والواصل والقاطع فيحاجان عن المحق ويشهدان على المبطل وقد وقع حديث [ ص: 494 ] أبي هريرة بعد ذكر الجمع في الموقف الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم يميز بين المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه، فكان الأمر باتباع كل أمة كانت تعبد هو أول فصل القضاء والإراحة من كرب الموقف .

بهذا تجمع متون الأحاديث وتترتب معانيها وقد ظهر أنه -صلى الله عليه وسلم- أول ما يشفع ليقضي بين الخلق أو أن الشفاعة في من يخرج من النار ممن سقط تقع بعد ذلك وأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم ينادى لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضا ويمر المؤمنون عليه في الجنة، فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجا عند القنطرة للمقاصصة بينهم، ثم يدخلون الجنة .

* (فصل)

في تفصيل الشفاعات هي خمس كما قاله النووي تبعا لعياض. الأولى: في الإراحة من هول الموقف، الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، الثالثة: في إدخال قوم حوسبوا واستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، الرابعة: في إخراج من أدخل النار من العصاة، الخامسة: في رفع الدرجات .

قال العراقي في شرح التقريب: وإنما أنكر الخوارج وبعض المعتزلة من هذه الأقسام إخراج قوم من نار بعد دخولهم فيها والشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عذاب في قوم حوسبوا واستوجبوا النار في عدم دخولهم إياها، فهذه أقسام ثلاثة ولم ينكروا الشفاعة العظمى للإراحة من هول الموقف، ولكل هذه الأقسام دلائل مستنبطة من الأخبار المتقدمة، فالشفاعة الأولى يدل عليها حديث أبي هريرة المتقدم: فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وأما الثالثة فيدل عليها قوله في حديث حذيفة: ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم، أما الرابعة: فحديث عمران بن الحصين عند البخاري : يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ويدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين، وأما الخامسة: وهي في رفع الدرجات، فقال النووي في الروضة أنها من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- ولم يذكر لذلك مستندا .

وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة وهي شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب كما جاء في الصحيح: وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح، وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة لحديث: كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، وتعقبه الحافظ في الفتح بأن متعلقها لا يخرج عن واحد من الخمس المذكورة وبأنه لو عد مثل ذلك لعد حديث عبد الملك بن عباد، رفعه: أول من أشفع له من أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف. رواه البزار، وأخرى لمن زار قبره الشريف، وأخرى لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه -صلى الله عليه وسلم- وأخرى في التجاوز عن تقصير الصلحاء، لكن هذه مندرجة في الخامسة، وزاد القرطبي : أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وزاد في الفتح أخرى فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة وهم أهل الأعراف، وشفاعة أخرى وهي شفاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قط.

قالوا: يرد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد كما ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك لكونه من جملة أحوال الدنيا، فإن قلت: فأي شفاعة ادخرها -صلى الله عليه وسلم- لأمته؟ أما الأولى فلا تختص بهم، بل هي لإراحة الجمع كلهم، وهي المقام المحمود كما تقدم، وكذلك باقي الشفاعات الظاهر أنه يشاركهم فيها بقية الأمم، والجواب أنه يحتمل أن المراد الشفاعة العظمى التي للإراحة من هول الموقف، وهي وإن كانت مختصة بهذه الأمم لكنهم الأصل فيها وغيرهم تبع لهم، ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهي المختصة بهذه الأمة، فإن الحديث الوارد فيها: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولم ينقل ذلك في بقية الأمم، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس، وكون هذه الأمة يشاركونهم فيها أو في بعضها لا ينافي أن يكون -عليه السلام- أخر دعوته بشفاعته لأمته، فلعله لا يشفع لغيره من الأمم بل يشفع لهم [ ص: 495 ] أنبياؤهم، ويحتمل أن تكون لغيرهم تبعا،كما تقدم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم .

(فصل)

ومما يدل على إثبات مطلق الشفاعة، ما قال الترمذي في السنن، حدثنا عبد الله بن الصباح، حدثنا بدل بن محبر، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب، حدثنا النضر بن أنس، عن أبيه، قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قال: قلت: يا رسول الله، فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط، قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

قال الحافظ بن ناصر الدين في منهاج السلامة: وقد روي من وجه آخر إلى حرب، رواه القاسم بن عبد الله الروذباري، فقال: حدثنا إسحق بن الحسن الحربي، حدثني حرب بن حفص، حدثنا حرب بن ميمون الأنصاري، حدثنا النضر بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله، خويدمك أنس، اشفع له يوم القيامة، قال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط، فإن وجدتني وإلا فأنا عند الميزان، فإن وجدتني وإلا عند حوضي، لا أخطئ هذه الثلاثة المواضع .

وحدث به ابن أبي خيثمة في تاريخه مختصرا عن حربي بن حفص، وحدث به الإمام أحمد في مسنده، عن يونس، عن حرب، فذكره .

هذا حديث رجاله ثقات سوى حرب بن ميمون .

ومن أحاديث الشفاعة: ما رواه الترمذي والبيهقي من طريق عبد الرازق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، رفعه: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي .

وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الترمذي : إنه حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال البيهقي : إنه إسناد صحيح .

وأخرجه أيضا هو وأحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، بلفظ: الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي . وهو وحده من طريق مالك بن دينار، عن أنس بزيادة، وتلا هذه الآية: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية .

ومن طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، بلفظ: قلنا: يا رسول الله، لمن تشفع؟ قال: لأهل الكبائر من أمتي، وأهل العظائم، وأهل الدماء.

ومن طريق زياد النميري، عن أنس، بلفظ: إن شفاعتي، أو إن الشفاعة لأهل الكبائر .

وفي الباب عن جابر، وكعب بن عجرة، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب التوبة .

التالي السابق


الخدمات العلمية