إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الأصل السابع .

أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ولم يكن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمام أصلا إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك ، فكيف خفي هذا وإن ؟ ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرق الإجماع وذلك مما لا يستجرئ على اختراعه إلا الروافض واعتاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك وقد قال أفاضل العلماء : كل مجتهد مصيب .

وقال قائلون المصيب واحد . ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا .

.


(الأصل السابع) * في الإمامة، والبحث فيها من مهمات هذا العلم، ولما ذكر المصنف لفظ الإمام، وهو ذو الإمامة، لزم بيانها، وهي رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونصب الإمام واجب على الأمة سمعا لا عقلا، خلافا للمعتزلة، حيث قال بعضهم: واجب عقلا. وبعضهم -كالكعبي وأبي الحسين: عقلا وسمعا. وأما أصل الوجوب فقد خالف فيه الخوارج، فقالوا: هو جائز. ومنهم من فصل، فقال فريق من هؤلاء: لا يجب عند الأمن دون الفتنة. وقال فريق بالعكس، وأما كون الوجوب على الأمة فخالف فيه الإسماعيلية والإمامية، فقالوا: لا يجب علينا، بل على الله تعالى، إلا أن الإمامية أوجبوها عليه تعالى، لحفظ قوانين الشرع عن التغير بالزيادة والنقصان، والإسماعيلية أوجبوه ليكون معرفا لله وصفاته .

وإذ قد علمت ذلك فاعلم (أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق (هو أبو بكر) الصديق، بإجماع الصحابة على مبايعته (ثم عمر) بن الخطاب، باستخلاف أبي بكر له (ثم عثمان) بن عفان بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى (ثم علي) بن أبي طالب بمبايعة أهل الحل والعقد (رضي الله عنهم) أجمعين (ولم يكن) عند جمهور أصحابنا والمعتزلة والخوارج (نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمام) بعده (أصلا) نصا جليا إلا ما زعم بعض أصحاب الحديث أنه نص على إمامة أبي بكر نصا جليا، وعزي إلى الحسن البصري أنه نص على إمامته نصا خفيا أخذه من تقديمه إياه في إمامة الصلاة، وإلى الشيعة; فإنهم قالوا: نص على إمامة علي بعده نصا جليا، ولكن عندنا معاشر أهل السنة كان يعلم لمن هي بعده بإعلام الله تعالى إياه دون أن يؤمر بتبليغ الأمة النص على الإمام بعينه، وإذا علمها فإما أن يعلمها أمرا واقعا موافقا للحق في نفس الأمر، أو مخالفا له، وعلى أي الحالتين لو كان المفترض على الأمة مبايعة غير الصديق لبالغ صلى الله عليه وسلم في تبليغه بأن ينص عليه نصا ينقل مثله على سبيل الإعلان والتشهير (ولو كان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد) وكان سبيله أن ينقل نقل الفرائض لتوفر الدواعي على مثله في استمرار العادة المطردة من نقل مهمات الدين المطلوب فيها الإعلان (ولم يخف ذلك، فكيف خفي هذا؟) مع أن أمر الإمامة من أهم الأمور العالية; لما يتعلق به المصالح الدينية والدنيوية; لانتظام أمر المعاش والمعاد (وإذا ظهر) النص على إمامة أحد (فكيف اندرس) وخفي أمره (حتى لم ينقل إلينا) فلا نص لانتفاء لازمه من الظهور، فلا وجوب لإمامة علي بعده صلى الله عليه وسلم على ما زعمته الشيعة على التعيين، ولزم بطلان ما نقلوه من الأكاذيب وسودوا به أوراقهم نحو قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت خليفتي من بعدي". وكثير مما اختلقوه، نحو: "سلموا على علي بإمرة المؤمنين". وأنه قال: "هذا خليفتي عليكم". وأنه قال له: "أنت أخي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني". بكسر الدال، كذا ضبطه السيد في شرح المواقف، والأوجه فتحها كما رواه البزار عن النبي مرفوعا: "علي يقضي ديني". وللطبراني من حديث سلمان مثله، وكله مخالف لما تقدم; حيث لم يبلغ شيء مما نقلوه هذا المبلغ من الشهرة، ثم نقول: لم يبلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها، إذ لم يتصل علمه بأئمة الحديث المهرة مع كثرة بحثهم وتلقيهم، وسعة رحلاتهم إلى بلدان شتى مشمرين جهدهم في كل صوب وأوب، وهذا تقضي العادة بأنه افتراء محض، ولو كان هناك نص غير ما ذكر يعلمه هو أو أحد من المهاجرين والأنصار لأورده عليهم يوم السقيفة تدينا; إذ كان فرضا، وقولهم: "تركه تقية"; مع ما فيه من نسبة علي رضي الله عنه إلى الجبن وهو أشجع الناس باطل، وإذا ثبت ما ذكرنا من عدم النص على ولاية علي رضي الله عنه (فلم يكن أبو بكر) رضي الله عنه (إماما إلا بالاختيار والبيعة) ، وإن قلنا: إنه لم ينص على إمامته، على أن في الأخبار الواردة ما هو صريح في إمامته، وهو إشارة وتلويح، فالأول ما في صحيح مسلم من حديث عائشة رفعته: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف فيه اثنان". ثم قال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر". وهو في صحيح البخاري من حديثها بمعناه، وأما الثاني -وهو الإشارة- فإقامته مقامه في إمامة الصلاة، ولقد روجع في ذلك كما في الصحيحين، وعند الترمذي من [ ص: 223 ] حديثها رفعته: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره".

وعلى تقدير عدم النص على إمامته ففي إجماع الصحابة غنى عنه; إذ هو في ثبوت مقتضاه أقوى من خبر الواحد في ثبوت ما تضمنه، وقد أجمعوا عليه، غير أن عليا والعباس والزبير والمقداد لم يبايعوا إلا ثالث يوم، واعتذروا باشتغالهم في أنفسهم بما وهمهم من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتم بذلك الإجماع على أن تخلف من تخلف لم يكن قادحا فيها. (وأما تقدير النص على غيره) كعلي رضي الله عنه بما صح من قوله عليه السلام لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي". كما في صحيح مسلم، وهذا لفظه، وفي صحيح البخاري أيضا بنحوه، وقوله عليه السلام: "من كنت مولاه فعلي مولاه". رواه الترمذي، فمع عدم دلالتهما على المطلوب حسبما قرره الأئمة وأوسعوا فيه القول (فهو نسبة الصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وهو باطل; لأنهم كانوا أطوع لله تعالى من غيرهم، وأعمل بحدوده، وأبعد من اتباع الهوى، وحظوظ النفس، ومنهم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، فكيف يجوز على هؤلاء أن يعلموا الحق في ذلك ويتجاهلوا عنه أو يرويه لهم أحد يجب قبول روايته فيتركوا العمل به بلا دليل راجح، معاذ الله أن يجوز ذلك عليهم، ولو جاز عليهم الخيانة في أمور الدين وكتمان الحق لارتفع الأمان في كل ما نقلوه لنا من الأحكام، وأدى إلى ألا يجزم بشيء من الدين; لأنهم هم الوسائط في وصولها إلينا، نعوذ بالله من نزغات الهوى والشيطان .

(ومع) ما يلزم من ذلك (من خرق الإجماع) فإنهم لما أجمعوا على اختياره ومبايعته وفهموا معنى ما ذكر من الحديثين في حق علي رضي الله عنه، وأنهما لا ينصان على إمامته قطعا بأن ذلك المعنى غير مراد من لفظ المولى (وذلك مما لم يستجرئ) استفعال من الجراءة وهي التهور والإقدام على الأمر (على اختراعه) أي: اختلاقه (إلا الروافض) الطائفة المشهورة، وأصل الرفض: الترك، وسموا رافضة لأنهم تركوا زيد بن علي حين نهاهم عن سب الصحابة، فلما عرفوا مقالته وأنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه، ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب، وله طوائف كثيرة، يجمعهم اسم الرافضة، ولما كان في معتقدات الروافض أن الصحابة كلهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا، ما عدا جماعة، منهم: أبو ذر وبلال وعمار بن ياسر وصهيب، لوح المصنف بالرد عليهم، فقال: (واعتقاد أهل السنة) والجماعة (تزكية جميع الصحابة) رضي الله عنهم وجوبا، بإثبات العدالة لكل منهم، والكف عن الطعن فيهم (والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى) وأثنى (رسوله صلى الله عليه وسلم) بعمومهم وخصوصهم، في آي من القرآن، وشهدت نصوصه بعد التهم والرضا عنهم ببيعة الرضوان، وكانوا حينئذ أكثر من ألف وسبعمئة، وعلى المهاجرين والأنصار خاصة في آي كثيرة، وعند الشيخين من حديث أبي سعيد: "لا تسبوا أصحابي". وعندهما: "خير القرون قرني..". وعند مسلم: "أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتاهم ما يوعدون". وعند الدارمي وابن عدي: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم". وعند الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". وعند الطبراني من حديث ابن مسعود وثوبان وعند أبي يعلى من حديث عمر: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا".

ومناقب الصحابة كثيرة، وحقيق على المتدين أن يستصحب لهم ما كانوا عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن نقلت هناة فليتدبر العاقل النقل وطريقه، فإن ضعف رده، وإن ظهر وكان آحادا لم يقدح فيما علم تواترا وشهدت به النصوص، (و) من هذا (ما جرى) من الحروب والخلاف (بين معاوية) بن أبي سفيان (وعلي) بن أبي طالب (رضي الله عنهما) في صفين لم يكن عن غرض نفساني وحظوظ شهوة، بل (كان مبنيا على الاجتهاد) الذي هو استفراغ الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي (لا منازعة من معاوية) رضي الله عنه (في) تحصيل الإمامة، كما ظن، وهو وإن قاتله فإنه كان لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه; (إذ ظن علي) رضي الله عنه (أن تسليم قتلة عثمان) رضي الله [ ص: 224 ] عنه إلى معاوية حين قدمت نائلة ابنة الفرافصة، زوج عثمان، على معاوية بدمشق وهو بها أمير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخلوطا بدمه، فصعد به على المنبر وحرض قبائل العرب على التمكين من قتلته، فجمع الجيوش وسار وطالب عليا إذ بلغه أن قتلته لاذت به وهم يصرخون بين يديه: نحن قتلنا عثمان. فرأى علي أن تسليمهم له (مع كثرة عشائرهم) من مراد وكندة وغيرهما من لفائف العرب مع جمع من أهل مصر قيل: إنهم ألف. وقيل: خمسمئة. وجمع من الكوفة، وجمع من البصرة، قدموا كلهم المدينة، وجرى منها ما جرى، بل قد ورد أنهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف، (واختلاطهم بالعسكر) وانتشارهم فيه (يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة) العظمى، التي بها انتظام كلمة الإسلام، خصوصا (فى بدايتها) قبل استحكام الأمر فيها (فرأى التأخير أصوب) حتى يستقيم أمر الإمامة; فقد ثبت أنه لما قتل عثمان هاجت الفتنة بالمدينة، وقصد القتلة الاستيلاء عليها والفتك بأهلها، فأرادت الصحابة تسكين هذه الفتنة بتولية علي فامتنع، وعرضت على غيره فامتنع أيضا; إعظاما لقتل عثمان، فلما مضت ثلاثة أيام من قتل عثمان اجتمع المهاجرون والأنصار، فناشدوا عليا الله في حفظ الإسلام وصيانة دار الهجرة، فقبل بعد شدة، وإنما أجابهم علي في توليته خشية من الإمامة أن تهمل، وهي من أمور الدين، وقد أخرج الطبري من طريق عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال: سرت أنا ورجلان من قومي إلى علي، فسلمنا عليه وسألناه، فقال: عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وأنا معتزل عنهم، ثم ولوني، ولولا الخشية على الدين لم أجبهم.

(وظن معاوية) رضي الله عنه (تأخير أمرهم) أي: قتلة عثمان (مع عظيم جنايتهم) من هجومهم عليه داره، وهتكهم ستر أهله، ونسبوه إلى الجور والظلم مع تنصله من ذلك، واعتذاره من كل ما أوردوه عليه، ومن أكبر جناياتهم هتك ثلاثة حرم: حرمة الدم، والشهر، والبلد (يوجب الإغراء بالأئمة) بهتك حرمهم (ويعرض الدماء للسفك) أي: يتخذون ذلك ذريعة للفتك والهتك والسفك، فمعاوية طلب قتلة عثمان من علي; ظنا أنه مصيب، وكان مخطئا (وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب. وقال قائلون) منهم: (المصيب واحد. ولم يذهب إلى تخطئة علي) رضي الله عنه (ذو تحصيل) ونظر في العلم أصلا، بل كان رضي الله عنه مصيبا في اجتهاده، متمسكا بالحق .

اعلم أن المجتهد في العقليات والشرعيات الأصلية والفرعية قد يخطئ، وقد يصيب، وذهب بعض الأشاعرة والمعتزلة إلى أن كل مجتهد في المسائل الشرعية الفرعية التي لا قاطع فيها مصيب، والتحقيق أن في المسألة الاجتهادية احتمالات أربعة:

*الأول: ليس لله تعالى فيها حكم معين قبل الاجتهاد، بل الحكم فيها ما أدى إليه رأي المجتهد، فعلى هذا قد تنعقد الأحكام الحقة في حادثة واحدة، ويكون كل مجتهد مصيبا .

*الثاني: أن الحكم معين، ولا دليل عليه منه تعالى، بل العثور على دفينة .

*الثالث: أن الحكم معين، وله دليل قطعي .

*الرابع: أن الحكم معين وله دليل ظني .

وقد ذهب إلى كل احتمال جماعة، والمختار أن الحكم معين وعليه دليل ظني، إن وجده المجتهد أصاب، وإن فقده أخطأ، والمجتهد غير مكلف بإصابته، كما زعم بعضهم ممن ذهب إلى الاحتمال الثالث، وذلك لغموضه وخفائه; فلذلك كان المخطئ معذورا، فلمن أصاب أجران، ولمن أخطأ أجر، كما ورد في الحديث: "إن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة".

ثم الدليل على أن المجتهد قد يخطئ قوله تعالى: ففهمناها سليمان ، إذ الضمير للحكومة، أو الفتيا، ولو كان كل من الاجتهادين صوابا لما كان لتخصيص سليمان بالذكر فائدة، وتوضيحه أن داوود عليه السلام حكم بالغنم لصاحب الحرث، وبالحرث لصاحب الغنم، وحكم سليمان بأن تكون الغنم لصاحب الحرث ينتفع بها ويقوم صاحب الغنم على الحرث حتى يرجع كما كان، فيرجع كل واحد على ملكه، وكان حكم داوود عليه السلام بالاجتهاد دون الوحي، وإلا لما جاز لسليمان خلافه، ولا لداوود الرجوع عنه، ولو كان كل من الاجتهادين حقا لأن كلا منهما قد أصاب الحكم وفهمه، لم يكن لتخصيص سليمان بالذكر وجه; فإنه وإن لم يدل على نفي الحكم عما عداه دلالة كلية، لكنه يدل على هذا الموضوع بمعونة المقالة، كما لا يخفى .

وقيل: المعنى [ ص: 225 ] ففهمناها سليمان ، الفتوى والحكومة التي هي أحق وأولى، بدليل قوله تعالى: وكلا آتينا حكما وعلما ; فإنه يفهم منه إصابتهما في فصل الخصومات والعلم بأمر الدين، وبدليل قول سليمان: غير هذا أوفق للفريقين، أو: أرفق. كأن قال: هذا حق، وغيره أحق. وفيه إيماء إلى أن ترك الأدلة من الأنبياء بمنزلة الخطأ من العلماء; فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. كذا أورده ملا علي في شرح الفقه الأكبر، وقال البخاري في كتاب الأحكام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. قال الحافظ ابن حجر: يشير إلى أنه لا يلزم من رد حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم .

ثم قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالما فلا، واستدل بحديث: "القضاة ثلاثة"، وفيه: وقاض قضى بغير حق; فهو في النار، وقاض قضى وهو لا يعلم، فهو في النار".

وقال الخطابي في معالم السنن: إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطأ، بخلاف المتكلف، فيخاف عليه، ثم إنما يؤجر العالم; لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، كذا قال، وكأنه يرى أن قوله: "وله أجر واحد"، مجاز عن وضع الإثم .

وقال المازري لمن قال: إن الحق في طرفين: هو قول أكثر أهل التحقيق من الفقهاء، والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة، وإن حكي عن كل منهم اختلاف فيه. قال الحافظ: والمعروف عن الشافعي الأول أن كل مجتهد مصيب. وقال القرطبي في المفهم: وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد; إذ كل مجتهد مصيب بالمسائل التي يستخرج الحق منها بطريقة الدلالة .

(فصل)

وقيل: عدم تسليم علي رضي الله عنه قتلة عثمان لأمر آخر، وهو أن عليا رضي الله عنه رأى أنهم بغاة أتوا ما أتوا عن تأويل فاسد استحلوا به دم عثمان; لإنكارهم عليه أمورا ظنوا أنها مبيحة لما فعلوه خطأ وجهلا، كجعله مروان بن الحكم، ابن عمه، كاتبا له، ورده إلى المدينة بعد أن طرده النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال، وعدم سماع شكوى أهل مصر من واليها من طرفه، والحكم في الباغي إذا انقاد إلى الإمام العدل ألا يؤاخذ بما أتلف بما سبق من إتلاف أموال أهل العدل وسفك دمائهم وجرح أبدانهم، فلم يجب عليه قتلهم ولا دفعهم لطالب، كما هو رأي أبي حنيفة، بل المرجح من قول الشافعي، لكن فيما أتلفوه في حال القتال بسبب القتال دون ما أتلفوه لا في القتال، أو في القتال لا بسببه; فإنهم ضامنون له، ومن يرى الباغي مؤاخذا بذلك فإنما يجب على الإمام استيفاء ذلك منهم عند انكسار شوكتهم وتفرق منعتهم ووقوع الأمن له من إثارة فتنتهم، ولم يكن شيء من هذه المعاني حاصلا، بل كانت الشوكة لهم باقية، والقوة بادية، والمنعة قائمة، وعزائم القوم على الخروج على من طالبهم بدمه دائمة، وعند تحقق هذه الأسباب يقتضي التدبير الصائب الإغماض عما فعلوا، أو الإعراض عنهم، فهذا توجيه لعلي رضي الله عنه ذكره النسفي في الاعتماد، لكن قال ابن الهمام في المسايرة: والأول -يعني الذي ذكره المصنف- أوجه; لذهاب كثير من العلماء إلى أن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، بل هم ظلمة وعتاة; لعدم الاعتداد بشبهتهم، ولأنهم أصروا على الباطل بعد كشف الشبه، فليس كل من انتحل شبهة صار مجتهدا; إذ الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد .

*استطراد*

اختلف أهل السنة في تسمية من خالف عليا باغيا، فمنهم من منع ذلك، فلا يجوز إطلاق اسم الباغي على معاوية، ويقول: ليس من أسماء من أخطأ في اجتهاده، ومنهم من يطلق ذلك متشبثا بقوله عليه السلام لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وبقول علي رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا.

*تفريع*

اتفق أهل السنة على أن معاوية أيام خلافة علي رضي الله عنهما من الملوك، لا من الخلفاء، واختلف مشايخنا في إمامته بعد وفاة علي رضي الله عنهما، فقيل: صار إماما انعقدت له البيعة. وقيل: لا; لما أخرج الترمذي من حديث سفينة رفعه: "الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكا". وعند أحمد وأبي يعلى وابن حبان بلفظ: "ثم ملك بعد ذلك". وعند أبي داوود والنسائي بمعناه، وفي بعض الروايات: "ثم تصير ملكا عضوضا". والعضوض: الذي فيه عسف وظلم، [ ص: 226 ] كأنه يعض على الرعايا، وقد انقضت الثلاثون بوفاة علي رضي الله عنه; لأنه توفي في سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرة، فبينهما دون الثلاثين بنحو نصف سنة، وتمتثلاثين بمدة خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما، وينبغي أن يحمل قول من قال بإمامته عند وفاة علي ما بعده بقليل عند تسليم الحسن الأمر له، ووجه قول المانعين لإمامته بعد تسليم الحسن له أن ذلك ما كان إلا لضرورة; لأنه قصد قتاله وسفك الدماء إن لم يسلم له الحسن الأمر، ولم يكن رأي الحسن القتال وسفك الدماء، فترك الأمر له; صونا لدماء المسلمين، فظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري من رواية الحسن البصري: سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".

(خاتمة) *

جامعة لمسائل هذا الأصل، ختمت بها الفصل، قول الروافض بوجود النص على علي، والزيديين بوجود النص على العباس رضي الله عنهما باطل; لأنه لو كان ثابتا لادعى المنصوص عليه ذلك واحتج بالنص وخاصم من لم يقبل ذلك منه، ولما لم يرو عنه الاحتجاج عند تفويض الأمر إلى غيره علم أنه لا نص على أحد، ولأنهم لما ادعوا من النص صاروا طاغين على الصحابة على العموم، حيث زعموا أنهم اتفقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على مخالفة نصه، واستمروا على ذلك، وفوضوا الأمر إلى غير المنصوص عليه، وأعانوا المبطل وخذلوا الحق، مع أن الله وصفهم بكونهم خير أمة، جعلهم أمة وسطا; ليكونوا شهداء على الناس، وعلى علي والعباس رضي الله عنهما على الخصوص; فإنه اشتهر أنهما بايعا أبا بكر رضي الله عنه جهرا، ولو كان الحق لهما ثابتا لكان أبو بكر عاصيا ظالما، ومن زعم أن عليا رضي الله عنه مع قوة حاله وعلمه وكماله وعز عشيرته وكثرة متابعيه ترك حقه واتبع ظالما عاصيا ونصر باغيا مطيعا فقد وصفه بالجبن والضعف وقلة التوكل على الله تعالى، وعدم الثقة بوعد الرسول عليه السلام المفوض إليه الأمر الناص عليه بذلك، كيف وهو موصوف بالصلابة في الدين، والتعصب له، موسوم بالشجاعة والبسالة ورباطة الجأش، والشدة والشكيمة وقوة الصريمة، مشهود له بالظفر في معادن المصاولة وأماكن المبارزة والمقاتلة على المشهورين من الفرسان، والمعروفين من الشجعان، وهو القائل في كتابه إلى عامله عثمان بن حنيف: لو ارتدت العرب عن حقيقة أحمد صلى الله عليه وسلم لخضت إليها حياض المنايا، ولضربتهم ضربا يقض الهام، ويرض العظام، حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين. فلو كان عرف من النبي صلى الله عليه وسلم فيه أو في عمه العباس نصا وعرف أنه لا يحق لغيرهما لما انقاد لغيره، بل اخترط سيفه وخاض المعركة وطلب حقه أو حق عمه، ولم يرض بالذل والهوان، ولم ينقد لأحد على غير الحق، ولم يبايعه في أموره، ولم يخاطبه بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يساعد أيضا من تولى الأمر بعده بتقليده، ولم يزوجه ابنته وهو ظالم عليه لغصبه حقه، وعاص لله تعالى بالإعراض عن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شهر سيفه وقت خلافته، بل كان في أول الأمر أحق وأولى; إذ كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب، وزمانه أدنى، وقد روي أن العباس قال لعلي: امدد يدك أبايعك، حتى يقول الناس: بايع عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يختلف عليك اثنان. والزبير وأبو سفيان لم يكونا راضيين بإمامة أبي بكر، والأنصار كانوا كارهين خلافته، حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير. وحيث لم يجرد سيفه ولم يطلب حقه دل أنه إنما يفعل ذلك لأنه لا نص له ولا لغيره، ولكن الصحابة اجتمعت على خلافة أبي بكر، إما استدلالا بأمر الصلاة; فإنه عليه السلام قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". وهي من أعظم أركان الدين، فاستدلوا بهذا على أنه أولى بالخلافة منهم، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أولا نرضاك لدنيانا. وأمر الحج; فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يحج بالناس سنة تسع، حين إقامته بنفسه لشغل، وبأن اللطيف الخبير جل ثناؤه نظر لأمة حبيبه ومتبعي صفيه صلى الله عليه وسلم فجمع أهواءهم [ ص: 227 ] المشتتة وآراءهم على خلافة قرشي شجاع، موصوف بالعلم والديانة والصلابة ورباطة الجأش والعلم بتدابير الحروب، والقيام بهيئة الجيوش، وتنفيذ السرايا، ومعرفة سياسة العامة، وتسوية أمور الرعية، بل هو أكثرهم فضلا، وأغزرهم علما، وأوفرهم عقلا، وأصوبهم تدبيرا، وأربطهم عند الملمات جأشا، وأشدهم على عدو الله إنكارا وإنكالا، وأيمنهم نقية، وأطهرهم سريرة، وأعودهم على إفناء الخلق نفعا، وأطلقهم عن الفواحش نفسا، وأصونهم عن القبائح عرضا، وأجودهم كفا، وأسمحهم ببذل ما احتوى من المال يدا، وأقلهم في ذات الله مبالغة، والإجماع حجة موجبة للعلم قطعا، ثم الدليل من الكتاب قوله تعالى: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ، أمر الله نبيه أن يقول للذين تخلفوا من الأعراب عن الغزو معه: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ، وأشار في الآية إلى أن الداعي مفترض الطاعة ينالون الثواب بطاعتهم إياه، ويستحقون التعذيب بعصيانهم إياه; فإنه قال: فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ، وهو أمارة كون الداعي مفترض الطاعة .

ثم السلف اختلفوا في المراد بقوله: أولي بأس شديد ، فقيل: هم بنو حنيفة. وقيل: هم فارس. فعلى الأول كان الداعي إليهم أبا بكر رضي الله عنه، فثبتت بذلك خلافته، فإذا ثبتت خلافته ثبتت خلافة من استخلفه بعده، وهو عمر رضي الله عنه، وعلى الثاني فالداعي إليهم عمر رضي الله عنه، فثبتت به خلافته، وثبوت خلافته خلافة من استخلفه، وهو أبو بكر رضي الله عنه، فكان في الآية دلالة على خلافة الشيخين رضي الله عنهما .

فإن قالوا: جاز أن يكون الداعي محمدا صلى الله عليه وسلم، أو عليا، أو من بعد علي; قلنا: لا يجوز الأول; لقوله تعالى: سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ، قال الزجاج وجماعة المفسرين: المراد بكلام الله هنا ما قال في سورة براءة: فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ، وكذا الثاني; لأنه قال تعالى في صفة هذه الدعوة: تقاتلونهم أو يسلمون ، ولم يتفق لعلي رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال بسبب طلب الإسلام، بل كانت محارباته مع الناكثين والقاسطين والمارقين، وكذا الثالث; لأن عند الخصم هم الكفرة، فلا يليق بهم قوله تعالى: فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ، وإذا بطلت هذه الأقسام فلم يبق إلا أن يكون المراد أحد الأئمة الثلاثة، فتكون الآية دالة على صحة خلافة هؤلاء الثلاثة، ومتى صحت خلافة أحدهم صحت خلافة الكل، كما هو تقريره .

فإن قالوا: الإجماع ليس بحجة; قلنا: على التسليم فإن قول علي رضي الله عنه ورأيه حجة عندهم، وقد ثبت بالنقل المتواتر -الذي ينسب جاحده إلى العناد- بيعته له واعترافه بخلافته، فيكون قوله حجة كافية لصحة خلافته .

فإن قالوا: هذه الآية إنما وليكم الله ورسوله ، إلى آخرها، نزلت في علي، كما قاله أهل التفسير، فصار المعنى: إنما المتصرف فيكم أيتها الأمة الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا، والمتصرف في كل أمة هو الإمام، وإنما للحصر، فتنحصر الإمامة في علي، وقال عليه السلام: "من كنت مولاه فعلي مولاه". والمولى هو المتصرف، ولا يجوز أن يراد به المعتق والحليف وابن العم، كما هو ظاهر، فيكون معنى الحديث: من كنت متصرفا فيه كان علي متصرفا فيه. وليست الإمامة إلا ذلك، وقال عليه السلام لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى". وهارون كان خليفته، فكذا علي. قلت: لو كانت الآية منصرفة إلى علي لما خفي ذلك على الصحابة أولا، وعلى علي ثانيا، ولما أجمعوا على خلافة غيره، ولا بايع هو بنفسه غيره، على أنها وردت بلفظ الجمع، فصرفها إلى خاص عدول عن الحقيقة، بلا دليل، وعلى التسليم لا يلزم بإطلاق اسم الولي أن يكون إماما، واستخلاف موسى هارون عليهما السلام حين توجه إلى الطور لا يستلزم كونه أولى بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا، ولا ندبا، بل كونه أهلا لها في الجملة، وبه نقول، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية