صفحة جزء
قلت: فهو إن سلك مسلك هؤلاء في بيان افتقار المحدث إلى المحدث لأنه ممكن، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فمسلكه أطول وأضعف. بل هذا المسلك الذي سلكه باطل، كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر.

وذلك أن كون تخصيص أحد الوقتين المتماثلين بالحدوث دون الآخر يفتقر إلى مخصص، أبين من كون الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فإن المعلوم لكل أحد أن الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا بد له من غيره، فلا يترجح وجوده إلا بمرجح. [ ص: 117 ]

أما كون عدمه لا يترجح على وجوده إلا بمرجح فهذا محل نزاع، وأكثر العقلاء على نقيض ذلك، وعندهم أن العدم لا يعلل ولا يعلل به، كما قال ذلك من قاله من متكلمة أهل الإثبات، وغيرهم كالقاضي أبي بكر وأتباعه، كأبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وغيرهم.

فالجمهور يقولون: عدم الممكن لا يفتقر إلى سبب، بل ليس له من ذاته وجود، فإذا لم يكن ثم سبب يقتضي وجوده بقي معدوما. وإذا قال القائل: عدم وجوده لعدم علة وجوده، كما أن وجوده لوجود علة وجوده.

قالوا له: أتعني أن نفس عدم العلة هو الموجب لعدمه، كما أن العلة المقتضية لوجوده كالفاعل هو المقتضي لوجوده؟ أم تعني أن عدم العلة مستلزم لعدمه، ودليل على عدمه؟

الأول ممنوع، والثاني مسلم. وذلك لأن عدمه لا يفتقر إلى سبب منفصل أصلا، وما لا يفتقر إلى سبب منفصل لا يعلل بسبب منفصل، وذاته ليست مستلزمة للعدم لتكون ممتنعة، بل ليست مقتضية للوجود، فعدمه مستمر إذا لم يكن هناك سبب يقتضي وجوده، ولكن يستدل بعدم الموجب على عدم الموجب؛ لأن وجوده بدون سبب محال.

فإذا علمنا أن لا سبب يقتضي وجوده، علمنا عدم وجوده، فهذا [ ص: 118 ] من باب الاستدلال وقياس الدلالة، لا من باب العلة التي هي المؤثرة في عدمه في الخارج، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية