صفحة جزء
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام مضمونه أن ما به يعلم حدوث النطفة، به يعلم حدوث سائر الأجسام، وأن المنكر لحدوث سائر الأجسام يمكنه إنكار حدوث النطفة. وليس الأمر كذلك. بل حدوث الحيوان والنبات والمعدن ونحو ذلك، وحدوث أوائل ذلك، كالنطفة والبيضة وطاقة الزرع ونحو ذلك - أمر مشهود معلوم بالحس والضرورة، [ ص: 318 ] واتفاق العقلاء. وهذا بخلاف الفلك، فإنه ليس شهود حدوثه كشهود حدوث الحيوان والنبات والمعدن.

وكذلك من ينازعهم في الواجب وفي تسميته جسما: كالهاشمية والكرامية وغيرهم. أو من لا يطلق الاسم، ولكن يقولون له: ما أثبته نسميه نحن جسما، أو يجب أن يكون جسما، كما يعلم حدوث هذه الحوادث المشهودة.

فإن قال بهذا، فالمفرق يقول: حدوث النطفة مشهود معلوم مسلم، وكذلك حدوث ما أشبهها.

وأما حدوث كل ما سميته جسما، فإنما أثبته بما ذكرته من الدليل، وهو ضعيف على ما سنذكره.

فإن قال: أعني بالنزاع في حدوث النطفة النزاع في حدوث الجواهر المفردة، التي منها تركبت النطفة وتألفت، أو في حدوث مادتها التي لبستها صورة النطفة.

قيل له: الجواب من طريقتين:

أحدهما: أن يقال: هذا لا حاجة لك به. الثاني: أن يقال: ما ذكرته ليس بصحيح. [ ص: 319 ]

فأما الطريق الأول ففيه وجوه.

أحدها: أن العلم بحدوث ما يحدث، والاستدلال به على ثبوت الصانع ليس مفتقرا إلى أن يعلم: هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة؟ وهل ذلك قديم أو حادث؟ بل مجرد حدوث ما شهد حدوثه يدل على أن له محدثا، كما يدل حدوث سائر الحوادث على أن لها محدثا.

وإن قال: فقصدي تعميم حدوث سائر الأجسام.

قيل له: فحينئذ لم يكن بك حاجة إلى ذكر حدوث الإنسان وحده من النطفة، بل كان هذا تطويلا. إذ كان ما به يثبت حدوث النطفة، به يثبت حدوث الإنسان ابتداء.

وحينئذ فيكون كلام الأشعري كلام من لا يعرف الاستدلال والنظر، كما قاله من اعترض عليه من المعتزلة، فإنه إذا كان لا بد في الاستدلال بالأجسام المخصوصة في آخر الأمر من دليل يتناول جميع الأجسام، كان ذكر هذا ابتداء أولى من التطويل، لاسيما في مثل المختصر الذي يطلب فيه التقريب والتسهيل.

التالي السابق


الخدمات العلمية