صفحة جزء
وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله ورسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد يتكلم بما يظنه علما: إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه، ويكون كلاما بلا علم. وهذا قد يعذر صاحبه تارة وإن لم يتبع، وقد يذم صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغيا.

كما ذم الله ذلك بقوله: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم [سورة آل عمران:19]. فالبغي مذموم مطلقا. سواء كان في أن يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأن يذمهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم. فقد بغى عليهم، لاسيما إذا كان ذلك لأجل هواه.

وقد قال تعالى: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [سورة ص:26]. والله تعالى قد قال: وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات [سورة الأحزاب:72-73]. [ ص: 409 ]

فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلا فالإنسان ظلوم جهول، وإذا وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار، أوجبت بين الناس العداوة والبغضاء، فعلى الإنسان أن يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس، فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك أولى منه في الأمور الصغار.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» . فإذا كان هذا فيمن يقضي في درهم وثوب، فكيف بمن يقضي في الأصول المتضمنة للكلام في رب العالمين، وخلقه وأمره، ووعده ووعيده؟.

ولهذا لما اشترك هؤلاء القدرية القائلون بأن القادر المختار يرجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح في هذا الأصل، وناظروا به الملاحدة القائلين بقدم العالم، من الدهرية الفلاسفة وغيرهم، ورأى أولئك أن هذا ليس بعلم ولا عدل، طمعوا في هؤلاء القدرية.

فإن الإنسان إذا اتبع العدل نصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع [ ص: 410 ] فيه خصمه، فصار بين الفلاسفة الدهرية والمتكلمين القدرية في هذا الباب من النزاع ما استطار شرره، وإن كانت القدرية أقرب إلى العلم والعدل. ومن الناس من يحار، ومنهم من يوافق هؤلاء تارة وهؤلاء تارة، تناقضا منه في حالين، أو جمعا بين النقيضين في حال واحدة.

ولو اتبعوا ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، لحصل لهم من العلم والعدل ما يرفع النزاع، ويدخلهم في اتباع النص والإجماع، والكلام على هذه المسألة له موضع آخر.

والمقصود هنا تفسير قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) وأن من قال بإثبات القدر، وأن الله كتب الشقي والسعيد، لم يمنع ذلك أن يكون ولد على الإسلام ثم تغير بعد ذلك، كما تولد البهيمة جمعاء ثم تغير بعد ذلك، فإن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم أنه يولد سليما ثم يتغير.

والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه، وهو أنهم ولدوا على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، مستلزمة له لولا المعارض. [ ص: 411 ]

فروى ابن عبد البر في ضمن هذا المنقول بإسناده (عن موسى بن عبيدة، سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [سورة الأعراف:29-30]، وقال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى، ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بعمل أهل الضلالة، ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة. قال: وكان من الكافرين. وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل الضلالة، ثم هداهم إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم، عليها مسلمين.

وبهذا الإسناد عن محمد بن كعب في قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم سورة الأعراف:172]، يقول: فأقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها) .

فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه، وهو [ ص: 412 ] ما كتبه أنهم صائرون إليه، قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابتدأه على الضلالة، أي كتبه أنه يموت ضالا، فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى، وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى، لا يمتنع أن يعرض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر لها.

كما في الحديث الصحيح: « إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة» .

ولهذا قال محمد بن كعب: إن جميع الذرية أقروا له بالإيمان والمعرفة، فأثبت هذا وهذا، إذ منافاة بينهما.

ثم روى ابن عبد البر بإسناده (عن سعيد بن جبير في قوله: كما بدأكم تعودون [سورة الأعراف:29]، قال: كما كتب عليكم تكونون.

التالي السابق


الخدمات العلمية