صفحة جزء
قال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في أصول السنة والتوحيد، قال: (وكان إجماع السلف والخلف، وأئمة الدين وفقهاء المسلمين، من شرق وغرب، وسهل وجبل، وسائر أقاليم الإسلام، من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان مجتمعين: على أن عقيدة السنة أربع عشرة خصلة: سبعة متعلقة بالشهادة، وهي مما يدان بها في الدنيا، وسبعة متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من أحكام الآخرة.

فالتي في دار الدنيا: القول مع الاعتقاد بأن الإيمان: قول وعمل ونية، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القرآن غير مخلوق، وتخيير الأربعة على الترتيب، وإثبات الإمامة، وترك الخروج على أحد منهم، والصلاة على من مات من أهل القبلة، وترك المراء والجدل.

والمتعلقة بالآخرة: الإيمان بأحكام البرزخ، والآيات التي بين يدي الساعة، والبعث بعد الموت، ورؤية الله تعالى، والإيمان بالحوض والشفاعة والصراط والميزان، وخلود الدارين، فمن خالف شيئا من هذا فقد خالف اعتقاد السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر الأقاليم. وسنتكلم على كل مسألة بذاتها، ونقيم الدليل على ذلك من كتاب وسنة ونظر، وبه التوفيق والمعونة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، لا غناء بنا عنه طرفة عين ولا أقل من [ ص: 504 ] ذلك، إذ قد أدبنا وعلمنا كيف نقول، فقال: إياك نعبد وإياك نستعين [سورة الفاتحة:5]، إثباتا للمجاهدة، وفقرا إلى المعونة منه سبحانه.

فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف، فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار) .

قلت: كأنه بالعكس وأظن الغلط في النسختين: المعتزلة.

(وقال ابن كلاب وطائفة: جميعها اكتساب. وقول أصحاب الحديث: إن منها اضطرارا ومنها اكتسابا، وكان الأصل في ذلك أن المعرفة اسم لاضطرار ومكتسب، وكأن الاضطرار راجع إلى معرفة الربوبية والوحدانية، والمكتسب راجع إلى المريد ونحوه.

فصل: في معرفة الوحدانية التي جبل الرحمن الرحيم الخلق عليها وبه نستعين. أما معرفة الوحدانية فهي معرفة الصانع القديم، المخترع لأعيان الأشياء، والمتمم تصويره لها على غير مثال، ولا بد لكل مخترع أن يعرف المنعم عليه بالإخراج من العدم إلى الوجود، وهي غير مكتسبة لأنها تعم من يصح منه الكسب ومن لا يصح منه، وهي ضرورة لا اختيار فيها، كما لا كسب فيها، ولا يتوصل إليها بالأسباب. [ ص: 505 ]

دليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [سورة الإسراء:44]، يعني: وما من شيء إلا يسبح. قال ابن عباس: حتى النبات الذي خلقه يسبح بحمده. وقال عكرمة: يسبن أحدكم ثوبه ولا دابته، فما من شيء إلا يسبح بحمده. وروي أن صرير الباب بالتسبيح.

وقال سبحانه: يا جبال أوبي معه والطير [سورة سبأ:10]، وقد روي: سبحي.

وقال سبحانه: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون [سورة النحل:48]، يعني: صاغرون.

وقال سبحانه: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب الآية [سورة الحج:18].

وقوله سبحانه: سبح لله ما في السماوات والأرض [سورة الحديد:1]، وسبح إخبار عن ماض وآت، وإعلام لنا أن كل شيء يسبح بحمده، ويسجد لعظمته، ويعترف بألوهيته ووحدانيته، ولا يجوز أن تسجد الأشياء وتسبح لمجهول. وكذلك اعترافها بفضائل رسله، وما [ ص: 506 ] استفاض من مخاطبات الجمادات له -صلى الله عليه وسلم-، وسلامها عليه، وحنينها إليه، ومخاطبة الأنعام والوحوش، والطير، والصغار في المهود، وغير ذلك.

قال -صلى الله عليه وسلم-: « إن البهائم أبهمت إلا عن ثلاث» ، فذكر معرفة بارئها.

وهذه الأشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر، ولا عقول، ولا اختيار، ولا كسب، وقد عقل معرفتها لبارئها عز وجل، وثبت بالكتاب والسنة. وهذا ظاهر جلي ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط، لأنها حق له عز وجل، ينفي عن نفسه ما شمل سائر البرية من المعلوم والمجهول، لأنه سبحانه خلق الأشياء مجهولة، ثم جلاها بالأسماء، فعرفت من بعد جهلها، وذلك دليل الحدث، فعز عن أن يكون كالحوادث التي عرفت بغيرها.

التالي السابق


الخدمات العلمية