صفحة جزء
الوجه الثالث

أن يقال للفلاسفة: ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة لدوام فاعلية الرب ودوام الحدوث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه. فإن هذا يقتضي أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث، وأنتم على قولكم يلزم ألا يكون أحدث شيئا من الحوادث؛ وذلك لأن الموجب لهذه الحوادث المتعاقبة، إما أن يكون ثابتا في الأزل أو لا.
فإن كان الأول لزم وجود كل من الحوادث في الأزل، وهو محال؛ لأن الموجب التام لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه. وهم يقولون: إن واجب الوجود علة تامة لا يتخلف عنه شيء من معلوله، فإذا كانت هذه الحوادث المتعاقبة معلولة بوسط أو بغير وسط لزم مقارنتها له؛ لأن العلة التامة يقارنها معلولها، لا يتخلف عنها، وإذا امتنع أن يتخلف عنها معلولها، فما تأخر عنها فليس معلولا لها، فيلزم أنه لم يحدث شيئا من الحوادث: لا بوسط ولا بغير وسط.

وقولهم بتسلسل الحوادث لا ينفعهم، والحال هذه، إذا جعلوه علة تامة مستلزمة لمعلولها؛ لأن التقدير على قولهم: إنه ليس له فعل قائم بذاته متجدد أصلا: لا خلق ولا استواء ولا غير ذلك. [ ص: 215 ]

ومعلوم أن الحوادث الحادثة هي مختلفة الأجناس، متعاقبة في الوجود، فالأجناس الحادثة المختلفة، إذا قدر أن حال الفاعل لها لم يزل على حال واحدة، لا يقوم به فعل ولا وصف، بل هو واحد بسيط، امتنع أن يختلف حاله في الإحداث، وأن يحدث شيئا بعد أن لم يكن أحدثه، كما يقولون هم ذلك، ويجعلونه عمدتهم في قدم العالم، وامتناع أن تحدث عنه الأنواع المختلفة الحادثة شيئا بعد شيء، وهو في نفسه لم يتجدد له حال ولا فعل، ولا حكم ولا وصف، ولا شيء من الأشياء؟

وهم أنكروا على المتكلمين نفاة الفعل الاختياري القائم به أن يحدث عنه شيء بلا سبب حادث، وقالوا: إن هذا مخالف لصريح العقل.

فيقال لهم: الباطل بعض قولكم، وإذا كان حدوث بعض الحوادث عن هذا ممتنعا، فحدوث الحوادث المختلفة دائما عن علة تامة، لم يحدث فيها ولا منها شيء أعظم امتناعا من قول هؤلاء.

وأيضا فالحادث لا يحدث حتى يحصل الفعل التام المحدث له، والممكن لا يحصل حتى يحصل الموجب التام المرجح له، والموجب التام يستلزم موجبه ومقتضاه، فكل من الحوادث الممكنات ما حدث ووجد حتى حصل له الموجب التام، وذلك الموجب التام لا بد له من موجب تام، وهلم جرا. فيلزم أن يحصل لكل من الحوادث موجبات تامة لا نهاية لها في آن واحد. وذلك تسلسل في العلل والمؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء. [ ص: 216 ]

وإنما لزم ذلك لأن الحوادث يمتنع حدوثها عن العلة التامة القديمة، فإن العلة التامة القديمة لا يتخلف عنها معلولها، والمحدث يجب أن تكون علته تامة عند حدوثه.

وهم يقولون بكلا القولين، فلزم من هذين القولين أن واجب الوجود لم يحدث شيئا من الحوادث، وأن الحوادث لا محدث لها. ويلزم أيضا وجود علل ومعلولات لا نهاية لها، وفاعلين لا نهاية لهم، وكل ذلك مما يعلمون هم وسائر العقلاء فساده، ولا مخلص لهم عن هذا إلا بأن يقولوا بأن واجب الوجود تقوم به الأفعال الاختيارية المقدورة له، وتقوم به الصفات. وإذا قالوا ذلك بطل قولهم بنفي الصفات ووجوب قدم الأفلاك.

فعلم أن ما ذكروه من الحجج الصحيحة الدالة على دوام فاعلية الرب، ودوام الحدوث، يدل على نقيض قولهم في أفعال الرب تعالى وصفاته، وعلى ضد قولهم في قدم العالم، وتوحيد واجب الوجود، وهذا هو المطلوب، وقد بسط ما يتعلق بهذا الكلام في موضع آخر.

والمقصود هنا التنبيه على أن كل ما تقيمه كل طائفة من الناس من الحجج العقلية التي لا مطعن فيها، فإنها إنما تدل على موافقة الكتاب والسنة، وإبطال ما خالف ذلك من أقوال أهل البدع، متكلمهم ومتفلسفهم، والله سبحانه أعلم.

ومما يوضح هذا أن عمدة الحجة المتقدمة في دوام فاعليته من جنس الحجة المتقدمة لمن منع حدوث الأفعال القائمة به، حيث قالوا: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن ذاته كافية في حصولها أو لا حصولها، [ ص: 217 ] وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة. وهكذا قال القائلون بقدم الفعل قالوا: ذاته إما أن تكون كافية فيه، وإما أن تكون متوقفة على غيره. فإن كانت كافية فيه، لزم قدم الفعل لوجود موجبه التام في الأزل، وإن لم تكن كافية فيه، لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، وهذا هو الذي يعتمدون عليه.

والجواب عن هذا من وجوه:

أحدها: أن يقال: هذا يبطل قولكم ويرد عليكم في جميع الحوادث، فإن ذاته إن كانت كافية في حدوث الحوادث، لزم قدمها، وهو ممتنع. وإن لم تكن كافية، لزم توقف الحوادث على غير ذاته. ثم ذلك الشرط في حدوث الحوادث: إن كانت ذاته كافية فيه، لزم قدمه، وإلا فالقول فيه كالقول في الحادث المشروط.

ومهما قدر من الممكنات أمكن أن يقال: حدوثه موقوف على حادث قبله، كما علم حدوثه من المحدثات.

وإذا قالوا: مبدأ الحدوث هو حركة الفلك، والحركة لذاتها تتجدد شيئا بعد شيء، وسبب ذلك تجدد التصورات والإرادات.

قيل: هذا بعينه يبطل حجتكم، فإن هذا الذي هو كذاته يتجدد شيئا بعد شيء، لو كان ذات واجب الوجود وحده كافية في وجوده، لزم مقارنته له في الأزل، وهو ممتنع. فعلم أن ذاته لا تكفي في وجود شيء منه، بل كل منه مشروط بما قبله، وذاته لا توجب شيئا من الشروط. [ ص: 218 ]

وإذا قيل: الذات أوجبت وجوده متعاقبا دائما، لزم أن يكون الواحد البسيط القديم، الذي لا صفة له ولا فعل، يوجب لذاته أمورا منفصلة عنه متعاقبة مختلفة، سواء كان بواسطة لازمة له أو بغير واسطة. وهذا مع أنه باطل في ضرورة العقل، فإنه ينقض أصولهم في تناسب الموجب والموجب، ولزوم المعلول للعلة التامة، وأن الواجب علة تامة.

ومن المعلوم بصريح العقل أن المعلول الموجب إذا كان حادثا شيئا فشيئا، فلا بد من حدوث أمر في علته الموجبة اقتضت ذلك، وإلا فالعلة موجبة إذا كانت عند الحادث الثاني كما كانت عند الحادث الأول، كان تخصيصها للأول بالتقدم تخصيصا بلا مخصص، وكان ترجيح الأول ترجيحا بلا مرجح.

وأيضا فيمتنع أن تكون الحركات الحادثة شيئا بعد شيء معلول علة تامة قديمة أزلية يقارنها معلولها، فإن العلة الأزلية التامة يقارنها معلولها، والحركات الحادثة شيئا فشيئا ليس شيء منها مقارنا للعلة، فامتنع أن يكون معلولا لها.

وهذا بخلاف ما إذا كان الفاعل يحدث أفعاله القائمة به شيئا بعد شيء، فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها، فلا يمتنع أن تكون مستلزمة لدوام الفعل.

وأما المفعولات فكلها ممكنة، ليس فيها واجب بنفسه، فامتنع أن يكون فيها ما يوجب الفعل الدائم، بل ذلك مستند إلى الواجب بنفسه.

الثاني: أن يقال: هذا إنما يصح فيما كان لازما لنفسه في النفي والإثبات. أما ما كان موقوفا على مشيئته وقدرته كأفعاله، فإنه يكون إذا شاءه الله، ولا يكون إذا لم يشأه. وهم لا يمكنهم إقامة الدليل على أنه [ ص: 219 ] لا يتعلق بمشيئته وقدرته إلا ببيان أنه لازم لذاته، ولا يمكنهم بيان أنه لازم لذاته إلا بنفي مشيئته وقدرته، فلا تصح حجتهم.

فإن قالوا: فتلك الأمور التي يقف عليها الفعل إن كانت قديمة لزم قدمه، وإلا فلا بد لحدوثها من سبب.

قيل: هذا غايته أنه يجب التسلسل في الشروط والآثار، وذلك جائز عندكم.

التالي السابق


الخدمات العلمية