صفحة جزء
قال الرازي في شرح هذا الكلام: اعلم أن الغرض من هذا [ ص: 237 ] الفصل التنبيه على الحجة التي لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون عليها، وهي أن الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم، إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون، والثاني باطل؛ إذ لو كان شيء منها حادثا لافتقر حدوثه إلى المؤثر. والكلام في كونه مؤثرا في ذلك الآخر كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال. فإذا: كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله تعالى في العالم أزلية.

وأيضا فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعا جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية، وجب أن يترتب الأثر عليه؛ لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه، كان صدور الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية، ولا صدور عنها على السواء. ولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح آخر. فلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلا قبل حصول هذا الزائد، وكنا قد قد فرضنا أن الأمر كذلك، هذا خلف.

قال: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قدم أفعاله، هذا تحرير هذه الحجة. [ ص: 238 ]

قال: ولقائل أن يقول: هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات، أما الفاعل المختار فلا؛ لاحتمال أنه يقال: إنه كان في الأزل مريدا لإحداث العالم في وقت دون وقت، فإذا قالوا: فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده؟ كان الكلام فيه طويلا، وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء.

قلت: هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام، من المعتزلة والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم. وقد عرف الطعن في هذا الجواب، وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح، وأن ما ذكر في القسم الأول هو حصول الموثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر، وأن مضمونه تخلف الشيء عن موجبه التام، كما قد بسط في موضعه.

التالي السابق


الخدمات العلمية