صفحة جزء
وقال أبو عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - في كتاب " خلق الأفعال ": يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وليس هذا لغير الله عز وجل". [ ص: 42 ]

قال أبو عبد الله البخاري: "وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ؛ لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، قال: فلا تجعلوا لله أندادا [ سورة البقرة: 22] فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين".

ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس - الذي استشهد به في غير موضع من الصحيح، تارة يجزم به، وتارة يقول: "ويذكر عن عبد الله بن أنيس" - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة"، وذكر الحديث - الذي رواه في صحيحه - عن أبي سعيد، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 43 ] يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، ما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعين - فحينئذ تضع الحامل حملها" وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [ سورة الحج: 2] وذكر حديث ابن مسعود - الذي استشهد به أحمد - وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان"، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [ سورة سبأ: 23] وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار - وقد رواه أحمد ومسلم [ ص: 44 ] في صحيحه وغيرهما، وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه - " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: كنا يا رسول الله نقول حين رأيناه يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرا يسمعه أهل العرش فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيسألونهم، فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، الأمر الذي كان، فيهبط الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع، على توهم منهم واختلاف، [ ص: 45 ] ثم يأتون به إلى الكهان من أهل الأرض، فيحدثونهم، فيخطئون ويصيبون، فتحدث به الكهان، ثم إن الله حجب الشياطين عن السماء بهذه النجوم، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة".

وقال البخاري أيضا: "ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به".

قال: "وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق، ولا مبتدع، بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم أولى، إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله".

التالي السابق


الخدمات العلمية