صفحة جزء
وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم، وأن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاب. وليس الأمر كذلك، فإن عبد العزيز ـ هذا ـ له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث. [ ص: 246 ]

وذلك أنه قال بعد أن ذكر جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله تعالى الله خالق كل شيء [ سورة الزمر: 62]، وقوله تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا [ سورة الزخرف: 3]، قال: "فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي أشياء كثيرة، إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس، فليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره؟، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال".

وذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع مطالبته بنص التنزيل - إلى أن قال:

"فقال عبد العزيز: يا بشر، تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: [ ص: 247 ] سل أنت، وطمع في، وجميع أصحابه! وتوهموا أني إذا خرجت عن نص التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره".

قال عبد العزيز: "فقلت: يا بشر، تقول: إن كلام الله مخلوق؟ قال: أقول: إن كلام الله مخلوق" قال: "فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: أن تقول: إن الله خلق القرآن - وهو عندي أنا كلامه - في نفسه، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره، فقل ما عندك، قال بشر: أقول: إنه مخلوق، وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها.

قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، تركنا القرآن ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه يقيم الحجة، وأنا أقول معه بخلق القرآن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب، وانقطع عن الكلام، فإن كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه، وإلا فأمير المؤمنين أعلى عينا في صرفي، فإنما يريد بشر أن يقع [ ص: 248 ] معه من لا يفهم، فيخدعه عن دينه، ويحتج عليه بما لا يعقله، فتظهر حجته عليه، فيبيح دمه.

قال: فأقبل عليه المأمون فقال: أجب عبد العزيز عما سألك عنه، فقد ترك قوله ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه، فقال بشر: قد أجبته، ولكنه يتعنت، فقال المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة من ثلاث، فقال: هذا أشد طلبا من مطالبته بنص التنزيل، ما عندي غير ما أجبته به.

قال: فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز، تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشرا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة.

فقلت: نعم، سألته عن كلام الله تعالى: أمخلوق هو؟ قال: نعم، فقلت له ما يلزمه في هذا القول، وهو واحدة من ثلاث لا بد منها: أن يقول إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، فإن قال "إن الله خلق كلامه في نفسه" فهذا محال لا يجد سبيلا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول ؛ لأن الله لا يكون مكانا للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك وجل وتعظم! [ ص: 249 ] وإن قال: "خلقه الله في غيره" فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله عز وجل، لا يقدر أن يفرق بينهما، فيجعل كلامه كلاما لله، ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذمه قائله: كلاما لله عز وجل، وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به، لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله، تعالى الله عن ذلك!

وإن قال: "خلقه قائما بنفسه وذاته" فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول، لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا يرى ولا رئي كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته. وهذا مما لا يعقل ولا يعرف، ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا علم أنه صفة لله، وصفات الله كلها غير مخلوقة، فبطل قول بشر.

فقال المأمون: أحسنت يا عبد العزيز، فقال بشر: سل عن غير هذه المسألة فلعله يخرج من بيننا شيء.

فقلت: أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها، قال: سل، [ ص: 250 ] قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ألست تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئا ولما يخلق شيئا؟ قال: بلى. فقلت: فبأي شيء حدثت الأشياء بعد أن لم تكن شيئا؟ أهي أحدثت نفسها أم الله أحدثها؟ فقال: الله أحدثها، فقلت له: فبأي شيء حدثت الأشياء إذ أحدثها الله؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل.

قلت له: إنه أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادرا؟ قال: بلى. قلت له: فتقول: إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا. قلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة ؛ لأن القدرة صفة لله.

ولا يقال لصفة الله هي الله ولا هي غير الله، فقال بشر: ويلزمك أنت أيضا أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل، إني لم أقل: [ ص: 251 ] "إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل" ليلزمني ما قلت.

وفي نسخة أخرى: "وإنما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق ؛ لأن الفعل صفة الله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع" قال بشر: أنا أقول إنه أحدث أشياء بقدرته، فقل ما شئت، فقال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله خلق بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، فبأي ذلك كان فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريدا ومرادا، وقولا وقائلا ومقولا له، وقدرة وقادرا ومقدورا عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل الخلق متقدما فليس هو من الخلق في شيء. فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر والمعقول" ثم ذكر حجة أخرى.

والمقصود هنا: أن

عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول، فإن الله [ ص: 252 ] تعالى إذا خلق شيئا فإما أن يخلقه في نفسه، أو في غيره، أو يخلقه قائما بنفسه، وقد أبطل الأقسام الثلاثة.

ولا ريب أن المعتزلة يقولون: إنه خلقه في غيره، فأبطل ذلك عبد العزيز بالحجة العقلية التي يتداولها أهل السنة، وهو أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن كلام الله، فإن كان مخلوقا في محل آخر غيره لزم أن يكون كل كلام مخلوق في محل كلام الله، لتماثلهما بالنسبة إلى الله، ويلزم أن يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام الله، فإذا قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم [ سورة فصلت: 21]، كان الناطق هو المنطق، وبشر لم يكن من القدرية، بل كان ممن يقر بأن الله تعالى خالق أفعال العباد، فألزمه عبد العزيز أن يكون كلام كل مخلوق كلام الله، حتى قول الكفر والفحش، وهذا الإلزام صرح به حلولية الجهمية من الاتحادية ونحوهم كصاحب " الفصوص " و " الفتوحات المكية " ونحوه.

وقالوا:


وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

[ ص: 253 ]

ولهذا قال من قال من السلف: من قال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا [ سورة طه: 14] مخلوق، فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون، الذي قال: أنا ربكم الأعلى [ سورة النازعات: 24] لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة، وذلك خلقه في فرعون، فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله.

كما قال سليمان بن داود الهاشمي - أحد أئمة الإسلام نظير الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي بكر بن أبي شيبة وأمثالهم - قال: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: أنا ربكم الأعلى من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد، فاستحسنه وأعجبه، ذكر ذلك البخاري في كتاب " خلق أفعال العباد " .

وكذلك ذكر نظير هذا عبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن سعيد القطان، وهذا مبني على أن الله خالق أفعال العباد، فإذا كان قد خلق في محل: "إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني" وخلق في محل: "أنا ربكم الأعلى" كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام أولى بالعقاب من فرعون، وإذا كان ذلك كلام الله كان كلام فرعون كلام الله. [ ص: 254 ]

وأما كونه خلقه قائما بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضا ؛ لأن الصفات لا تقوم بنفسها، ولكن الجهمية تقول: خلق علما لا في محل، والبصريون من المعتزلة يقولون: خلق إرادة وقدرة لا في محل، وطائفة منهم يقولون: خلق بخلق بعد خلق لا في محل، وهذه المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل.

التالي السابق


الخدمات العلمية