صفحة جزء
وأما القسم الأول - وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه - فأبطله عبد العزيز أيضا لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين:

أحدهما: أن يقال: أحدث في نفسه بقدرته كلاما بعد أن لم يكن متكلما.

وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقولون: كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى، وأن الله تكلم بعد أن لم يكن يتكلم أصلا، وأن الله يمتنع أن يقال في حقه: ما زال متكلما، وهذا مما أنكره الإمام أحمد وغيره.

والثاني: أن يقال: لم يزل الله متكلما إذا شاء كما قاله الأئمة، وكل من هاتين الطائفتين لا تقول: "إن ما في نفس الله مخلوق" بل المخلوق عندهم لا يكون إلا منفصلا عن نفس الله تعالى، وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق.

ولا ريب أن بشرا وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون: إنه خلقه منفصلا عنه كما خلق غيره من المخلوقات، فأما نفس خلق الرب [ ص: 255 ] عند من يقول الخلق غير المخلوق - وهم الأكثرون - فلا يقولون: إن الخلق مخلوق. ومن قال بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الإرادات أو الإدراكات لم يقل: إن ذلك مخلوق، فإنه إذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا في المخلوق.

ولهذا كان من يقول: "إن كلام الله قائم بذاته" متفقين على أن كلام الله غير مخلوق، ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة أقوال: هل يقال: إنه معنى واحد أو خمسة معان لم تزل قديمة، كما يقوله ابن كلاب والأشعري؟

أو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة، كما يذكر عن ابن سالم وطائفة.

أو يقال: بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلما، كما يقوله ابن كرام وطائفة.

أو يقال: إنه لم يزل متكلما إذا شاء، وإنه إذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم بالحروف، كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة؟

التالي السابق


الخدمات العلمية