صفحة جزء
قال: " قال السلف: ولا يظن بنا أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت بألسنتنا، وصارت صفات لنا، فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها بأكسابنا وأفعالنا، وقد بذل السلف أرواحهم، وصبروا على أنواع البلايا والمحن من معتزلة الزمان، دون أن يقولوا: القرآن مخلوق: ولم يكن ذلك على حروف وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا، بل هم عرفوا يقينا أن لله تعالى قولا [ ص: 318 ] وكلاما وأمرا، وأن أمره غير خلقه، بل هو أزلي قديم بقدمه.

كما ورد القرآن بذلك في قوله تعالى: ألا له الخلق والأمر [ سورة الأعراف: 54] وقوله تعالى: لله الأمر من قبل ومن بعد [ سورة الروم: 4] وقوله تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ سورة النحل: 40] فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره، وقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ سورة يس: 82]، وقوله تعالى: وإذ قال ربك [ سورة البقرة: 30]، وإذ قلنا للملائكة [ سورة البقرة: 34]، قال الله [ سورة المائدة: 115]، فالقول قد ورد في السمع مضافا إلى الله أخص من إضافة الخلق، فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة وهي الخلق والإبداع، والأمر ينسب إليه لا على تلك النسبة، وإلا فيرتفع الفرق بين الخلق والأمر، والخلقيات والأمريات.

قالوا: ومن جهة العقل: العاقل يجد فرقا ضروريا بين "قال" و "فعل" وبين "أمر" و "خلق". ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري، فثبت أن القول غير الفعل، وهو قبل [ ص: 319 ] الفعل، وقبليته قبلية أزلية، إذ لو كان له أول لكان فعلا سبقه قول آخر، ويتسلسل".

التالي السابق


الخدمات العلمية