صفحة جزء
الوجه الثالث: أن يقال: أردنا بجملة ما يفتقر إليه المجموع العلة الفاعلة، فإن الكلام إنما هو في إثبات الفاعل لمجموع الممكنات، ليس هو فيما هو أعم من ذلك قوله: إن أردتم العلة الفاعلة التامة، فلم قلتم: إنه يستلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيا في المجموع؟

فيقال: قلنا ذلك لأنه إذا وجدت العلة الفاعلة التامة لزم وجود المعلول، فإنا إنما نعني بالعلة مجموع ما يلزم من وجوده وجود المعلول، فإن الممكن لا يوجد حتى يحصل المرجح التام المستلزم لوجوده، فإذا [ ص: 246 ] كان الفاعل فاعلا باختياره، فلا بد من القدرة التامة والإرادة الجازمة، فلا يحصل الممكن بدون ذلك، ومتى وجد ذلك وجب حصول المفعول الممكن، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ الله امتنع وجوده، فإن حصل للممكن المؤثر التام وجب وجوده بغيره، وإن لم يحصل امتنع وجوده لانتفاء المؤثر التام، فوجوده لا يحصل إلا بغيره. وأما عدمه فقد قيل: إنه أيضا لا بد له من علة، وهو قول ابن سينا وأتباعه المتأخرين الذين يقولون: إن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح. وقيل: لا يحتاج عدمه إلى علة، وهو قول نظار السنة المشهورين كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وهو آخر قولي الرازي، فإنه يقول بقول هؤلاء تارة، وهؤلاء تارة، لكن هذا آخر قوليه. فإن العدم عندهم لا يفتقر إلى علة، وإذا قيل: عدم لعدم علته، فمعناه أن عدم علته مستلزم لعدمه، لا أنه هو الذي أوجب عدمه، بل إذا عدمت علته علمنا أنه معدوم، فكان ذلك دليلا على عدمه، لا أن أحد العدمين [ ص: 247 ] أوجب الآخر، فإن العدم لا تأثير له في شيء أصلا، بل عدمه يستلزم عدم علته، وعدم علته يستلزم عدمه من غير أن يكون أحد العدمين مؤثرا في الآخر.

التالي السابق


الخدمات العلمية