صفحة جزء
وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات، فكثير من الأمور المعروفة إذا حدت بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح؛ لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد.

ولكن قد يكون في الأدلة والحدود من المنفعة ما قد نبه عليه غير مرة، ولهذا تنوعت طرق الناس في الحدود والأدلة، وتجد كثيرا من الناس يقدح في حدود غيره وأدلته، ثم يذكر هو حدودا وأدلة يرد عليها إيرادات من جنس ما يرد على تلك أو من جنس آخر، وذلك لأن المقصود بالحدود: إن كان التمييز بين المحدود وبين غيره، كانت الحدود الجامعة المانعة على أي صورة كانت مشتركة في حصول التمييز بها، وإن لم تكن جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز، وإن كان المطلوب بها تعريف المحدود فهذا لا يحصل بها مطلقا، ولا يمتنع بها [ ص: 320 ] مطلقا، بل يحصل لبعض الناس وفي بعض الأوقات دون بعض، كما يحصل بالأسماء، فإن الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال، فلا يمكن أن يقال: الاسم لا يعرف المسمى بحال، ولا يمكن أن يقال: يعرف به كل أحد، كذلك الحد.

وإن قيل: إن المطلوب بالحد أن مجرد الحد يوجب أن المستمع له يتصور حقيقة المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد، وأنه يتصورها بمجرد قول الحاد، كما يظنه من يظنه من الناس -بعض أهل المنطق وغيرهم- فهذا خطأ كخطأ من يظن أن الأسماء توجب معرفة المسمى لمن سمع تلك الأسماء بمجرد ذلك اللفظ.

وقد بسط الكلام على هذا في موضعه، وبينا ما عليه جمهور النظار من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين، من أن الحدود مقصودها: التمييز بين المحدود وغيره، وأن ذلك يحصل بالوصف الملازم للمحدود طردا وعكسا، الذي يلزم من ثبوته ثبوت المحدود، ومن انتفائه انتفاؤه، كما هو طريقة نظار المسلمين من جميع الطوائف، مثل أبي علي وأبي هاشم وأمثالهما، ومثل أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي الجويني، والقاضي أبي يعلى، وأبي الوفاء ابن عقيل وأمثالهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية