صفحة جزء
ونحن نذكر ما تجاب به الفلاسفة عن أهل الملل جميعا، وذلك من وجوه

الأول : أن يقال : الحوادث إما أن يجب تناهيها أو لا يجب ، بل يجوز أن لا يكون لها نهاية . فإن وجب تناهيها لزم أن يكون للحوادث أول ، ولزم جواز حدوث الحوادث بدون سبب حادث ، وبطلت حجتكم وقولكم بدوام حركات الفلك وأنها أزلية، وإن جاز دوام الحوادث فحينئذ ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث، وحينئذ فالأفلاك إذا كانت حادثة لزم أن يكون قبلها حادث آخر ، وحينئذ فيمكن أن تكون تلك الإرادات المتعاقبة القائمة بذات الواجب أو غيرها من الحوادث هي الشرط في حدوث الأفلاك، كما تقولون أنتم : كل حادث فهو مشروط بحادث قبله .

فإن قالوا: ذاته لا تحلها الحوادث . [ ص: 46 ] قيل لهم: دليلكم على نفي قيام الحوادث به إما أن يكون نافيا لقيام الصفات به مطلقا، وإما أن يخص الحوادث. فإن كان الأول فقد عرف فساد قولكم فيه ببيان فساد حجتكم على نفي الصفات، وإبطال ما تذكرونه في التوحيد، الذي مضمونه نفي الصفات ، كما بسط في موضعه .

وإن كان مختصا فدليلكم على النفي هو هذا الدليل على امتناع حدوث الحوادث، عنه فليس لكم أن تثبتوا هذا بهذا، وهذا بهذا ، فإنه يكون دورا، وهذا من المصادرة على المطلوب. فإن نفيكم لحدوث الحوادث بذاته وبغيره سواء ، فإذا لم يمكنكم نفي ذلك إلا بنفي حلولها بذاته كنتم قد صادرتم على المطلوب .

الوجه الثاني: أن يقال لهم: قول القائل: سبب الحوادث إما الذات أو خارج عنها، أتريدون به سبب كل حادث ، أو سبب نوع الحوادث؟ فإن أردتم الأول منعوكم الحصر . وقالوا لكم : بل سبب كل حادث الذات بما قام بها من الحوادث المتعاقبة .

فإن قلتم: هذا يستدعي تعاقب الحوادث بذاته، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث .

قالوا لكم: فهذا يبطل قولكم بقدم الأفلاك ويوجب حدوثها.

[ ص: 47 ] وأيضا فيقال لكم: ما لا يخلو عن جنس الحوادث، إن لم يجب حدوثه بطلت هذه الحجة، وإن وجب حدوثه لزم حدوث الأفلاك. وحينئذ فالموجب لحدوث الأفلاك إن كان قديما لم يحدث به حادث جاز حدوث الحادث بدون سبب حادث، ولا فرق حينئذ بين أن يكون الحادث بذاته أو منفصلا عنه، فيلزم قول الكرامية . وإن كانت الحوادث لا تحدث إلا بحوادث متعاقبة لزم تسلسل الحوادث ، وبطل قول القائل : فما لا ينفك عن جنس الحوادث فهو حادث، وحينئذ فتبطل هذه الحجة .

فتبين أنه يلزمكم: إما بطلان هذه الحجة ، وإما تصحيح قول الكرامية ، وذلك يستلزم بطلان الحجة فثبت بطلانها على كل تقدير .

وإن أردتم سبب نوع الحوادث، فيقال لكم: سبب نوع الحادث المتصل كسبب نوع الحادث المنفصل عندكم، وإذا جاز عندكم أن تكون الذات سبب الحوادث التي لا أول لها مع انفصاله عنها، فمع قيامها به بطريق الأولى. فإن اقتضاء المقتضي لما قام به أولى من اقتضائه لما باينه، ولا محيص لهم عن هذا إلا بما ينفون به الصفات مطلقا .

وقد عرف فساد قولهم في ذلك، وأن حجتهم عليه من أسقط الحجج، وحينئذ فيكون جماهير الناس خصومهم في ذلك الأصل .

الوجه الثالث: أن يقال : هب أن سبب الحادث خارج عن الذات وهو معلول الذات ، قولهم يلزم الدور، فيقال له: إنما [ ص: 48 ] يلزم الدور إذا كان ذلك الحادث الخارج موقوفا على الحادث المتصل ، والمتصل موقوفا على الخارج، وأما إذا كان ذلك الخارج موقوفا على متصل ، وذلك المتصل موقوف على خارج آخر، والخارج الآخر موقوف على متصل آخر، فإنما يلزم التسلسل في الآثار وفي تمام التأثيرات المعينة لا يلزم الدور على هذا التقدير .

وإذا كان اللازم هو التسلسل في الآثار والتأثيرات المعينة، فذلك لا يلزم منه الدور، والتسلسل جائز عند هؤلاء الفلاسفة وكثير من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وليس هذا تسلسلا ولا دورا في أصل التأثير ، فإن هذا باطل باتفاق العقلاء، كالدور والتسلسل في نفس المؤثر ، فإن الدور والتسلسل في تمام التأثيرات المعينة، فإنه كالتسلسل في الآثار المعنية ، والتسلسل في أصل التأثير كالتسلسل في أصل الآثار .

ثم يقال: إن كان هذا التسلسل جائزا بطلت هذه الحجة، وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث أول، وأن تصدر الحوادث كلها عن قديم بلا سبب حادث من غير أن يجب دوام الحوادث . وحينئذ فيلزم صحة قول الكرامية ، كما يلزم صحة قول غيرهم من أهل الكلام: الجهمية والقدرية وأتباعهم، الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث بدون سبب حادث، وإنما النزاع بينهم في المتصل والمنفصل .

الوجه الرابع: في الجواب: أن يقال : هب أن ذلك الخارج إذا [ ص: 49 ] كان ليس معلول الذات يلزم أن يكون مفيدا للإله صفاته ، فيكون أولى بالإلهية .

يقال لهم : هذا وإن كان باطلا عند المسلمين وغيرهم من أهل الملل ، ولكن على أصولكم لا يمتنع بطلانه ، وذلك أن هذا لا ينافي وجوب وجوده بذاته بمعنى أنه لا فاعل له ، فإن ما كان لا فاعل له لم يمتنع من هذه الجهة أن يقوم به أمر بسبب منه ومن أمر مباين له، وإنما ينتفي ذلك بنفي واجب بذاته مباين له، وذلك مبني على نفي واجبين بالذات.

وأنتم ادعيتم ذلك ، وأدرجتم في ذلك نفي الصفات، كما ادعت الجهمية أن القديم واحد ، وأدرجوا في ذلك نفي الصفات . فقلتم أنتم: لو كان له صفات لتعدد الواجب بذاته ، كما قال أولئك: لو كان له صفات لتعدد القديم. وحجتكم على ذلك ضعيفة جدا، وحتى إن منكم من قال بقدم الأفلاك ووجوب وجودها بذاتها لضعف ذلك .

وهذا حقيقة قول أرسطو وأصحابه في الأفلاك ، وهو قول أهل ، وحدة الوجود في كل موجود ، الذين أظهروا التصوف والتحقيق ، وحقيقة قولهم قول هؤلاء الدهرية المعطلة .

وحينئذ فنخاطب الجميع خطابا يتناول الطوائف كلها ، ونقول: إما أن تكون الأفلاك واجبة الوجود بذاتها ، وإما أن لا تكون . [ ص: 50 ]

فإن قيل : إنها واجبة الوجود بذاتها ، مع أن الحوادث تقوم بها ، بطل قولكم : إن الواجب أو القديم لا تقوم به الحوادث .

وإن قلتم : إنها معلولة مفعولة لغيرها ، فالموجب لها : إن كان علة تامة لم يتأخر عنه شيء من معلوله فلا تصدر عنه الحركات والحوادث ، فتفتقر الحوادث المشاهدة إلى واجب آخر ، والقول فيه كالقول فيه .

وإن لم يكن علة تامة فلا بد لما يتأخر حدوثه أن يكون موقوفا على شرط حادث ، والقول فيه كالقول في الذي قبله ، فيلزم التسلسل .

وإذا لزم لزم دوام الحوادث المتسلسلة ، ويمتنع صدورها عن علة تامة أزلية لا يقوم بها حادث ، فإن ذلك يقتضي مقارنة جميع معلولها لها ، لوجوب مقارنة جميع معلول العلة التامة لها ، وامتناع أن يصير علة لشيء ما بعد أن لم يكن علة بدون سبب منها ، وإذا جاز أن تقوم به الحوادث المتعاقبة ، فيلزم قيام الحوادث المتعلقة بالقديم على كل تقدير ، فبطلت هذه الحجة .

وأيضا فقدماؤهم يقولون : إن الأول يحرك الأفلاك حركة شوقية مثل حركة المحبوب لمحبه ، ولم يذكروا أن الأفلاك مبدعة [له] ولا معلولة لعلة فاعلة .

وحينئذ فلا بد أن يقال : هي واجبة بنفسها ، وهي مفتقرة في حركتها إلى المحرك المنفصل عنها ، فلا يمكن من قال هذا أن يقول : إن الواجب [ ص: 51 ] بنفسه لا يقوم به حادث بسبب مباين له ، كما لا يمكنه أن ينفي شيئين واجبين بأنفسهما ، كل منهما متوقف على الآخر .

إذ حقيقة قول هؤلاء أن الفلك والعلة الأولى كل منهما محتاج إلى الآخر حاجة المشروط إلى شرطه ، لا حاجة المصنوع إلى مبدعه .

الوجه الخامس: أن يقال : غاية ما ذكرتموه في الحوادث منقوص بالمتجددات كالإضافات والعدميات ، فإنهم سلموا حدوثها .

وهذه الحجة تتناول هذا ، كما تتناول هذا ، فما كان جوابكم عن هذا ، كان جواب منازعيكم عن هذا .

فإنه يقال : تلك الأمور الإضافية والعدمية إذا تجددت فلا بد لها من سبب متجدد ، والسبب إما : الذات ، وإما خارج عنها .

فإن كان الأول لزم دوام الإضافات والعدميات ، وإن كان الثاني لزم الدور أو التسلسل ، وإن كان الثالث فالأمر الخارجي الذي أوجب تجدد تلك الإضافات والإعدام يجب أن يكون واجب الوجود .

التالي السابق


الخدمات العلمية