بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثالث: -وهو الجواب- أن يقال له: إن الله تعالى لم يقل: أنزلنا الحديد من السماء، ولا قال: [أنزلنا] لكم ثمانية أزواج من السماء.

فقول القائل: معلوم أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض، وأن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض. لا يعارض ظاهر القرآن، حتى يقال إن ظاهر القرآن ليس بحق، وأنه مؤول، بل قال: وأنزلنا الحديد [الحديد: 25]، والإنزال يقتضي أن يكون من محل عال، ولا ريب أن الحديد إنما يكون في المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل إنه كلما كان المعدن أعلى كان حديده أجود، والمستخرجون للحديد من المعادن يقولون: نزل لنا من المعدن [ ص: 6 ] كذا وكذا.

يبين ذلك أن الله ذكر الإنزال على ثلاث درجات:

قال في الحديد: وأنزلنا الحديد [الحديد: 25]، فأطلق الإنزال ولم يذكر من أين نزل.

وقال في الغيث: وأنزل من السماء ماء [البقرة: 22] وأنزلنا من السماء . فذكر أنه أنزل المطر من السماء، فإنه نزل مما يسمو على رؤوس بني آدم ويعلو عليهم، بخلاف الجبال، فإنها نفسها لا تسامت رؤوس بني آدم.

وقال في القرآن: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) وقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [غافر: 1-2]، وقال: حم تنزيل من الرحمن الرحيم [فصلت: 1 -2]، وقال: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام:114]، وقال: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [النمل: 6]، وقال: [ ص: 7 ] الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هود: 1] .

فأخبر أن القرآن منزل منه، وأن المطر نزل من السماء، وأخبر أنه أنزل الحديد، ولم يذكر من أين نزل.

وبهذا يظهر ما لبسته الجهمية من المعتزلة وغيرهم، [ ص: 8 ] في دعواهم أن الإخبار بأن القرآن منزل لا يمنع أن يكون مخلوقا فإن المخلوق يوصف بالإنزال، كالماء، والحديد.

التالي السابق


الخدمات العلمية