بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 82 ] فصل

قال الرازي: "السابع: قال تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ولا شك أنه لا بد فيه من التأويل".

والكلام عليه من وجوه:

أحدها: أن يقال له: هذا ممنوع، ولم يذكر على ذلك حجة، وغايته أن يقول: الاقتراض لا يكون إلا من محتاج، والله الغني.

فيقال له: أين في لغة العرب أن مسمى القرض مطلقا يستلزم حاجة المقترض.

الوجه الثاني: إنه من المعلوم أن المقترض من الآدميين قد يكون مستغنيا عن [الاقتراض] وإنما يقترض لحاجة المقرض، كما [كان] الزبير بن العوام يفعل، ففي [ ص: 83 ] صحيح البخاري، عن عبد الله بن الزبير، أنه قال: "حسبت ما كان على الزبير من الدين فوجدتها ألفي ألف ومائتي ألف، قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة".

وهذا كثير في الناس، يريدون حمل أموالهم إلى مكان فيقرضونه لمليء.

وإذا كان هذا موجودا في المحتاجين من بني آدم فكيف [ ص: 84 ] يقال إن لفظ القرض في حق الله تعالى ظاهره حاجة الله تعالى؟!.

ومعلوم أن العبد محتاج إلى حسنات يثاب عليها، فالله تعالى إذا اقترض منه ما يحفظ له حتى يؤديه إليه وقت حاجته إليه ألم يكن محسنا باقتراضه؟!. ولا يمنع ذلك أن يكون مقترضا.

الوجه الثالث: أن الإنسان يقترض لغيره بطريق الأمر بالمعروف، والصلة والإحسان إلى الاثنين: إلى المقترض لدفع حاجته، وإلى المقرض ليحصل له الأجر، ومع ذلك يضمن المقترض ماله ويقول لا تعرفه إلا مني. فالله تعالى إذا اقترض من بعض عباده لبعض فرزق هذا المقترض، وأثاب هذا المقرض، وضمن له الوفاء الأكمل، كيف يكون تسمية هذا قرضا مخالفة للظاهر؟!.

الوجه الرابع: أن الإنسان يقترض من عبده ما أعطاه إياه، ولو شاء أن ينتزعه منه بغير إقراض لساغ له في الشريعة، لكن يأخذه اقتراضا إحسانا إليه، ويعطيه لمن يحتاج إليه، إما [عبد] آخر أو غيره، والله -سبحانه- وهو المالك للخلق، ولأموالهم، وقد أعطاهم وأباح لهم فيها من التصرف ما أعطى [ ص: 85 ] وأباح، ولو شاء أن ينتزعها منهم -وهو غير ظالم- لفعل، فإذا أحسن إليهم بأن أخذ ما يأخذه قرضا ليعطيه عبدا آخر وأحسن إلى هذا [المقرض] بما يثيبه عليه كيف يمتنع أن يكون هذا قرضا؟!.

الوجه الخامس: إن هذا السؤال هو سؤال اليهود الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء [آل عمران: 181]، فإن الله تعالى لما أنزل هذه الآية قال بعض اليهود: إنما يقترض الفقير، فالله فقير ونحن الأغنياء.

الوجه السادس: أن يقال: المعنى في قوله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: 245] هو ظاهر متفق عليه، ليس فيه اشتباه ولا نزاع، وكل من سمع هذا الخطاب علم المراد به هو التقرب إلى الله بإنفاق المال في سبيله.

غاية ما في هذا الباب أن يقول بعض الناس: تسمية هذا [ ص: 86 ] قرضا مجاز، وكون اللفظ مجازا لا يمنع أن يكون هو ظاهر الخطاب، فإن المجاز المقرون بالقرائن اللفظية [المبينة] نص في معناه، ليس للخطاب ظاهر إلا ذلك المعنى.

وليس الكلام هنا في كون اللفظ حقيقة أو مجازا، أو كون القرآن مشتملا على المجاز، فإن هذه مسألة أخرى، وشواهدها أضعاف ما ذكره.

وإنما المقصود هنا [أن قولك]: إن الطوائف متفقة على وجوب التأويل في بعض ظواهر القرآن، والأخبار. والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره. فهل ظاهر هذه [ ص: 87 ] الآيات عند من يسمعها من المخاطبين خلاف ما أريد بها! حتى يقال إنها متأولة؟!.

وإنما تدخل الشبهة على هؤلاء بأن يقولوا: القرض لا يكون إلا لحاجة المقترض، وانتفاعه هو به، فيقال لهم: هب أن الأمر كذلك في حق المخلوق، فالقرض هنا مضاف إلى الله، والمعنى ظاهر مفهوم وهو الصدقة على عباده والإنفاق في سبيله، لم يظهر لأحد قط أن الله نفسه محتاج في نفسه إلى الانتفاع بالقرض.

فأكثر ما يقال: إن تسمية هذا قرضا مجاز، لكن ليس هذا المجاز هو الظاهر [من] هذا اللفظ بعد التركيب والتأليف، الذي يجعله نصا في معناه، حيث أضيف القرض إلى الله.

ألا ترى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في خالد: "إنه سيف من سيوف [ ص: 88 ] الله" وقوله في فرس أبي طلحة: "إن وجدناه لبحرا"، [ ص: 89 ] وقول أبي بكر عن أبي قتادة: "لا يعمد إلى أسد من أسد الله" ونحو ذلك.

[ ص: 90 ] فإن قيل إن هذا مجاز، فلا يقول أحد إن ظاهر هذا اللفظ: أن خالدا حديد، وأن الفرس ماء، وأن أبا قتادة هو السبع الذي له ناب، بل اللفظ نص في خلاف هذا، وهو أن خالدا شجاع متقدم، بمنزلة السيف الذي يقتل الله به أعداءه، وأن الفرس جواد جرى بمنزلة البحر، وأن أبا قتادة رجل شجاع بمنزلة الأسد ألذي سلطه الله على أعدائه، وقد بسطنا هذه القاعدة في غير هذا الموضع.

التالي السابق


الخدمات العلمية