بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وروى مسلم في صحيحه عن سفيان بن عيينة، ثنا سهيل ابن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فوالذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. [ ص: 38 ] قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول: بلى يا رب. فيقول له: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. [ ص: 39 ] فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.

ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذا. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي، فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه.


وروى أبو داود في سننه بعض هذا الحديث، وهو [ ص: 40 ] الإخبار بالرؤية في الرد على الجهمية، وهذا الحديث محفوظ من حديث سفيان بن عيينة عن سهيل، وليس في الصحيح لابن عيينة عن سهيل غير هذا الحديث. ولكن مسلما روى منه الطرف الذي احتاج إليه وهو أوله، وترك رواية باقيه؛ لأنها في الطرق المقدمة التي هي أشرف من هذه الطريق من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد، ومن حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد، ولأن رواية أولئك لتلك الطرق أتم وتمام الحديث قد رواه النسائي كما رواه أحمد وابن [ ص: 41 ] خزيمة قال: ثم ينادي مناد: ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع الشيطان والصليب وأولياؤهم على جهنم، وبقينا أيها المؤمنون، فيأتينا ربنا فيقول: على ما هؤلاء؟ فنقول: نحن عباد الله المؤمنون، آمنا بربنا ولم نشرك به شيئا، وهو ربنا تبارك وتعالى، وهو يأتينا، وهو يثبتنا، وهذا مقامنا حتى يأتينا ربنا. فيقول: أنا ربكم، فانطلقوا. فننطلق حتى نأتي الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف. عند ذلك تحل الشفاعة، أي اللهم سلم، اللهم سلم، فإذا جاوزوا الجسر فكل من أنفق زوجا من المال في سبيل الله مما يملك فتكلمه خزنة الجنة تقول: يا عبد الله يا مسلم، هذا خير.

فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله، إن هذا عبد [ ص: 42 ] لا توى عليه، يدع بابا ويلج آخر، فضرب كتفه وقال: إني لأرجو أن تكون منهم.


قال ابن خزيمة: حدثنا محمد بن منصور الجواز قال: ثنا سفيان قال: ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وحفظته أنا وروح بن القاسم، وردده علينا مرتين أو ثلاثة، وذكر الحديث.

قال ابن خزيمة: حدثنا محمد بن ميمون المكي قال: ثنا [ ص: 43 ] سفيان ... فذكر الحديث بطوله وقال: سمعت محمد بن ميمون يقول: سئل سفيان عن تفسير حديث سهيل بن أبي صالح «ترأس وتربع» فقال: كان الرجل إذا كان رأس القوم كان له المرباع وهو الربع وقال: قال النبي لعدي بن حاتم حين قال: يا رسول الله، إني على دين. قال: أنا أعلم بدينك منك، إنك تستحل المرباع ولا يحل لك.

وهذا الحديث صريح في لقاء الكفار والمنافقين لله وخطابه لهم كما ذكر القرآن في غير موضع، وكما جاء هذا [ ص: 44 ] في عدة أحاديث صحيحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد وعدي بن حاتم رضي الله عنهم وغيرهم.

وفيه أن هذا يكون قبل أن ينادي ذلك المنادي: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد». فإن هذا هو محاسبة العباد، فإذا حوسبوا أمروا بأن يتبعوا آلهتهم ويتجلى الرب لعباده المؤمنين ويتبعونه، وينصب الجسر على ظهر جهنم فيعبر عليه المتقون ويذر الظالمين فيها جثيا.

ومعلوم أن المؤمنين لقوه في تلك الحال قبل مناداة المنادي باتباع كل أمة ما كانت تعبد، وهذا هو -والله أعلم- الرؤية المذكورة في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما، حيث قال: «فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، وفي صورته التي يعرفون، وهي تلك الصورة التي رأوه فيها لما لقوه وخاطبهم قبل المناداة [ ص: 45 ] وذلك كان عاما للعباد كما يدل عليه سائر الأحاديث، وبعد هذا حجب الكفار، كما دل عليه القرآن، وقد جاء ذلك مبينا في حديث أبي رزين وابن مسعود، كالحديث المحفوظ عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه ابن خزيمة وغيره عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت عبد الله بن مسعود بدأ باليمين قبل الحديث فقال: والله إن منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، أو قال: ليلته، يقول: يا ابن آدم ما غرك، ابن آدم ما غرك، ابن آدم ما عملت فيما علمت، ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟

وأما حديث أبي رزين فهو مشهور في السنن والمسانيد، لكن أهل السنن يختصرون من الحديث ما يناسب السنن على [ ص: 46 ] عادتهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية