بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وأما الأحاديث فمنها حديث أبي موسى الذي ذكره، [ ص: 83 ] وليس هو مما أخرجه الشيخان كما ادعاه، وإنما هو من أفراد مسلم، خرجه عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، قال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه نور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».

وذكر ابن خزيمة رواية أبي معاوية عن [ ص: 84 ] الأعمش، عن عمرو، بهذا اللفظ، قال: «حجابه النور».

ورواه من طريق الثوري، عن عمرو قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، وقال: «حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره». [ ص: 85 ]

وكذلك رواه المسعودي، عن عمرو بمثله، وزاد فيه: "ثم قرأ أبو عبيدة: أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين [النمل: 8].

ورواه من طريق جرير عن الأعمش، وذكر أنه مثل رواية الثوري، ورواه عثمان بن سعيد من طريق جرير عن الأعمش، ولفظه: «قام فينا رسول [ ص: 86 ] الله صلى الله عليه وسلم بأربع، وقال: حجابه النور، ولو كشفها».

ورواه أيضا من طريق الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، مثل لفظ الثوري، عن عمرو بن مرة. [ ص: 87 ]

وفي الصحيحين عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه -وفي رواية- ما بين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه» رواه [ ص: 88 ] ابن خزيمة.

وفي صحيح مسلم عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: قال [ ص: 89 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار، قال: فيكشف الحجاب عن وجهه فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة».

وقد رواه حماد بن زيد، وسليمان بن [ ص: 90 ] المغيرة، ومعمر، عن ثابت، لكن رواية حماد بن سلمة أتم إسنادا ومتنا، وذلك معروف في أحاديثه عن ثابت البناني، لأنه كان بينهما من الصلة ما لم يكن بينه وبين غيره، وكان ثابت يقول: ولا أن يصنعوا بي كما صنعوا بأبي سعيد -يعني الحسن البصري- لحدثتهم أحاديث موثقة، فلهذا كان يختصر لبعض [ ص: 91 ] الناس، ويختصر عنه حماد بن سلمة أشياء لاختصاصه به.

ورواه ابن خزيمة وغيره عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26]. أعطوا فيها ما شاءوا وما سألوا، قال: يقال: إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه، قال: فيتجلى لهم تبارك وتعالى، قال: وتلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26]. الجنة وزيادة النظر إلى ربهم، لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم. [ ص: 92 ]

ولفظ سليمان، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، أنه سئل عن قول الله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة أعطوا فيها من النعيم والكرامة، ينادون: يا أهل الجنة، إن الله قد وعدكم الزيادة، قال: فيكشف الحجاب فيتجلى لهم تبارك وتعالى، فما ظنك بهم حيث ثقلت موازينهم، وحين طارت صحفهم في أيمانهم، وحين جازوا جسرهم فقطعوه، وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة، قال: فكأن هذا لم يكن شيئا فيما أعطوه.

ورواية معمر، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، قال: الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.

[ ص: 93 ] وعن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام قال: يا رب، أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم فقال: أنت أبونا؟ فقال له آدم: نعم. قال: الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة؟ قال له آدم: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم. قال: أفما وجدت أن ذلك في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فيما تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم [ ص: 94 ] موسى». رواه أبو داود في سننه، وابن خزيمة في توحيده الذي اشترط فيه الصحة، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي [ ص: 95 ] في صحيحه، وغيرهم، وهو على شرط الصحيح من هذا الوجه، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه، وفي الصحيحين، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم [ ص: 96 ] أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة».

وفي رواية أبي أسامة: «ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان». [ ص: 97 ]

وكذلك رواه ابن خزيمة بإسناد مشهور من رجال الصحيحين، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان».

قال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا يحيى الحماني، حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي، عن يزيد بن الهاد، عن [ ص: 98 ] عبد الله بن يونس، سمع المقبري يحدث قال: حدثني أبو هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما والد جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين». [ ص: 99 ]

قال أبو سعيد: ففي هذا الحديث دليل أنه إذا احتجب من بعضهم لم يحتجب من بعض.

التالي السابق


الخدمات العلمية