بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
فصل

قال الرازي: احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول، أما الآيات فكثيرة.

وقد ذكر منها أربع عشرة آية، أحدها قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24]. أمر الناس بالتدبر في القرآن، ولو كان القرآن غير مفهوم فكيف يأمرنا بالتدبر فيه؟

الثاني قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82]. فكيف يأمرنا بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف، مع [ ص: 219 ] أنه غير مفهوم للخلق.

الثالث: قوله تعالى: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين [الشعراء: 192-195]. ولو لم يكن مفهوما فكيف يمكن أن يكون الرسول منذرا به؟

وأيضا قوله: بلسان عربي مبين [الشعراء: 195]. يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان كذلك وجب أن يكون معلوما.

الرابع: قوله تعالى: لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء: 83]. والاستنباط منه لا يكون إلا بعد الإحاطة بمعناه.

قلت: هذا المذكور في قوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء: 83]. ليس المراد به القرآن. [ ص: 220 ]

[ ص: 221 ] الخامس: قوله تعالى: تبيانا لكل شيء [النحل: 89]. ونظيرهما: ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء [يوسف: 111]. وأما قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38]. فهو بعد قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون [الأنعام: 38]. ولهذا قال أكثر العلماء: إن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، وهذا الكلام يقتضي أنه بين، لا يقتضي أن كل ما فيه مفهوم، فقد يقال: إن فيه هذا، وفيه هذا، لكل يقال: لما قصد به بيان كل شيء فبيانه نفسه وفهم معناه مقدم على غيره. [ ص: 222 ]

قال السادس: قوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]. وما لا يكون معلوما لا يكون هدى.

السابع: قوله تعالى: حكمة بالغة [القمر: 5]. وقوله تعالى: وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57]. وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم.

الثامن: قوله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين [المائدة: 15]. ولا يكون مبينا إلا أن يكون معلوما.

التاسع: قوله تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 51]. فكيف يكون الكتاب كافيا؟ وكيف يكون ذكرى؟ مع أنه غير مفهوم.

العاشر: قوله تعالى: هذا بلاغ للناس ولينذروا به [إبراهيم: 52]. فكيف يكون بلاغا؟ وكيف يقع الإنذار به وهو غير معلوم؟

وقوله في آخر الآية: وليذكر أولو الألباب [ ص: 223 ] [إبراهيم: 52]. وإنما يكون كذلك أن لو كان معلوما.

الحادي عشر: قوله تعالى: قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [النساء: 174]. فكيف يكون برهانا ونورا مبينا مع أنه غير معلوم؟

الثاني عشر: قوله تعالى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 123-124]. فكيف يمكن اتباعه تارة والإعراض عنه أخرى مع أنه غير معلوم؟

الثالث عشر: قوله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا [الإسراء: 9]. فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم للبشر؟

الرابع عشر: قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا [البقرة: 285]. والطاعة لا تكون إلا بعد العلم، فوجب كون القرآن مفهوما.

التالي السابق


الخدمات العلمية