بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
فإن قيل: فقد اختلف السلف في بعض معانيه. قيل: السلف لم يكن فيهم من جعل عمدته في الباطن على شيء يخالف القرآن، ثم القرآن إما أن يتأوله على هواه، وإما أن يعرض عن معناه ويهجره، كما قال تعالى عن الرسل: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا [ ص: 514 ] [الفرقان: 30]. وهجر معانيه أعظم من هجر ألفاظه، بل السلف كلهم كانوا مقرين بما تبين لهم منه، وهو المحكم الذي هو أم الكتاب، كذلك يشتبه على بعضهم بعضه، فإما أن يعلم تفسيره ويعلم معناه الموافق لمعنى المحكم، وإما أن لا يعلم، لكنه يعلم أن معناه لا يناقض معنى نص المحكم، فبكل حال لم يكونوا يجعلون غير الرسول صلى الله عليه وسلم معارضا له، مقدما عليه آراؤهم وأهواؤهم وعقولهم ومقاييسهم وأذواقهم، ولا كتابا آخر مخالفا له، وأما أهل الإلحاد فيجعلون عقولهم ومقاييسهم وأذواقهم هي الأم والأصل الذي يعتمدون، ثم القرآن إن وافق ذلك، وإلا سلكوا فيه أحد المسلكين؛ إما ضرب الأمثال الباطلة، وإما هجره والإعراض عنه، وقد اجتمعت للمكذبين للرسل من مشركي العرب وغيرهم، كما أن من عارضه بكتاب آخر، [ ص: 515 ] وقدم ذلك عليه فهم من جنس اليهود والنصارى.

ومكذبو الرسل الذين يقدمون آراءهم على ما أنزل الله أسوأ حالا، وأضعف عقلا وإيمانا، وأشد كفرا من أهل الكتاب الذين يوجبون كتابا آخر غير القرآن عليهم، فإن هؤلاء من جنس من يحتج بنص منسوخ أو ضعيف الدلالة، ولكن يظن أنه من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أو يعارض قوله بما يظن أنه معارض له من قوله، وهذا ما زال في الناس، بخلاف من يعارض قوله بما يعلم أنه ليس من قوله، وإنما هو قول غيره، فهذا لم يؤمن بالرسول ولا بما جاء به.

التالي السابق


الخدمات العلمية