بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
قلت فهذا هو قوله: (قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون: إن الباري ليس بجسم ولا محدود ولاذي نهاية.

ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم )، قال: (واختلفت "المجسمة" فيما بينهم من التجسيم، وهل للباري تعالى وتقدس قدر من الأقدار، وفي مقداره: على ست عشرة مقالة. فقال "هشام بن الحكم": إن الله جسم محدود، عريض، عميق، طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار -بمعنى أن له مقدارا في طوله وعرضه وعمقه ولا يتجاوزه- في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة: لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونا غيره، وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد ). [ ص: 555 ]

قال: (وحكى عنه "ابن الراوندي" أنه يزعم أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه. وحكى عنه أنه قال: إنه جسم لا كالأجسام، ومعنى ذلك أنه شيء موجود ).

قال: (وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونا، ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة، وأن يكون طويلا أو عريضا أو عميقا، وزعم أنه في مكان دون مكان [متحرك ] من وقت خلق الخلق ). قال- (وقال قائلون: إن الباري [جسم ] وأنكروا أن يكون موصوفا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصفه هشام؛ غير أنه تعالى على العرش مماس له دون ما سواه ). [ ص: 556 ]

قال أبو الحسن: (واختلفوا في مقدار الباري تعالى بعد أن جعلوه جسما، فقال قائلون: هو جسم، وهو في كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه، غير أن مساحته أكبر من مساحة العالم، لأنه أكبر من كل شيء. وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم. وقال بعضهم: إن الباري عز وجل جسم، له مقدار من المساحة ولا ندري كم ذلك المقدار. وقال بعضهم هو تعالى في أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار يكون ليس بالعظيم الجافي ولا بالقليل القميء، وحكى عن "هشام بن الحكم" أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه ). قال: (وقال بعضهم: ليس لمساحة الباري تعالى نهاية ولا غاية، وأنه ذاهب في الجهات الست: اليمين، والشمال، والأمام، والخلف، [ ص: 557 ] والفوق، والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض، ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب. وقال بعضهم: إن معبودهم هو الفضاء، وليس بجسم، والأشياء قائمة به ).

قال- (وقال "داود الجواربي" "ومقاتل بن سليمان": [ ص: 558 ] إن الله جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان، لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء: من يد، ورجل، ولسان، ورأس، وعينين؛ وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره. وحكي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك. وكثير من الناس يقولون هو مصمت، ويتأولون قول الله تعالى الصمد [الإخلاص: 2 ] المصمت الذي ليس بأجوف ).

قال- (وقال "هشام بن سالم الجواليقي": إن الله تعالى على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحما ودما، وأنه نور [ ص: 559 ] ساطع يتلألأ بياضا، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، سمعه غير بصره، وكذلك سائر حواسه، له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم، وأن له وفرة سوداء ). قال أبو الحسن: (وممن قال بالصورة من ينكر أن يكون الباري جسما، وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون الباري [صورة ] ).

التالي السابق


الخدمات العلمية