بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثامن: أن يقال: ما ذكره المعتزلة في شروط الرؤية [ ص: 471 ] وموانعها بعضها حق وبعضه باطل، وهؤلاء الذين وافقوهم على نفي العلو وإثبات الرؤية يكابرونهم في الحق كما يدفعون باطلهم، ولهذا كان كلا الطائفتين تقول الحق والباطل، وإذا كان مثبتة الرؤية مع نفي العلو أقرب إلى الحق من نفاة الرؤية ونفاة العلو، وذلك أن كونهم لم يشترطوا في الحاسة إلا مجرد سلامتها ليس بسديد، فإن الحواس تختلف بالقوة والضعف، فقد يكون بصر أحد من بصر، وسمع أقوى من سمع، وشم أقوى من شم، وذوق أقوى من ذوق، وهذا موجود في البهائم وفي الآدميين، ولهذا يرى أحدهم من الأشياء الدقيقة اللطيفة ما لا يراه الآخر، ويرى من الأمور البعيدة ما لا يراه الآخر، ويرى من النور والشعاع والبياض ما لا يراه الآخر، وذلك قد يسمع من الأصوات البعيدة والأصوات القريبة ما لا يمكن الآخر أن يسمعه، وإذا كان الأمر كذلك فقوة إدراك العباد وحركاتهم في الآخرة يجعلها الله أعظم من قوى إدراكهم وحركاتهم في الدنيا؛ وهذا ظاهر بين.

[ ص: 472 ] وقولهم: لا يكون على القرب القريب، ولا على البعد البعيد، ولا يكون صغيرا لطيفا هذا إنما اشترط لعجز البصر عن إدراك ما يكون كذلك، لا لأن ذلك ممتنع في نفسه، وإلا فيمكن أن يقوى بصر العبد حتى يرى القريب والبعيد واللطيف، وليس هذا ممتنعا في ذاته، يبين ذلك أن القرب والبعد والصغر والكبر من الأمور الإضافية، قد يكون صغيرا بالنسبة إلى بصر هذا الرائي ما ليس بصغير بالنسبة إلى بصر غيره، وكذلك في القرب والبعد، وكذلك قولهم: أن لا يكون بين الرائي والمرئي حجب كثيفة.

فإن رؤية ما وراء الحجاب ليس بممتنع في نفسه بل لعجز البصر عنه، فإن الله يرى كل شيء ولا تحجبه السموات والأرض وسائر الحجب.

وكذلك قولهم: أن يكون مقابلا للرائي. فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي" [ ص: 473 ] لكن هذا يدل على أنه لا يشترط في الرؤية أن يكون المرئي أمامه، لكن لا يدل على أنه لا يشترط أن يكون بجهة منه، فإنما خلفه بجهة منه.

التالي السابق


الخدمات العلمية