بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثاني: أنه يجب الفرق بين الأقسام الممكنة في الوجود الخارجي، وبين التقديرات الذهنية التي لا يشترط فيها مطابقة للأمور الخارجية؛ فإن الذهن يقدر الأمور الممتنعة مع امتناع وجودها في الخارج، ويقدر الموجود معدوما، والمعدوم موجودا، وليس هو كذلك في الخارج، فباب التقديرات الذهنية أوسع من باب الأقسام الممكنة الخارجية، وذلك أن الذهن تقديره بحسب ما يفرضه من الأقسام، فيمكنه أن يقول: الشيء إما أن يكون موجودا، وإما أن يكون معدوما، وإما أن يكون لا موجودا ولا معدوما، والشيء إما أن يكون مجهولا أو معلوما، أو لا معلوما ولا مجهولا، وإما أن يكون واجبا أو ممتنعا أو جائزا، أو لا واجبا ولا ممتنعا ولا جائزا، ويمكنه أن يقول: الموجود إما أن يكون قديما أو محدثا، أو لا قديما [ ص: 137 ] ولا محدثا، وإما أن يكون خالقا أو مخلوقا، أو لا خالقا ولا مخلوقا؛ والموجودان إما أن يكون [أحدهما] مقارنا للآخر أو سابقا له أو متأخرا، أو لا مقارنا للآخر ولا سابقا ولا متأخرا، أو يقول: إما أن يكون مقارنا أو منفكا، أو لا مقارنا ولا منفكا، وإما أن يكون مباينا للآخر أو محايثا له، أو لا مباينا له ولا محايثا له، والموجودان والقائمان بأنفسهما، إما أن يكون أحدهما داخلا في الآخر أو خارجه، أو لا داخل الآخر ولا خارجه، وإما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز، أو لا متحيزا ولا حالا في المتحيز / وإما أن يكون حيا أو ميتا، أو لا حيا ولا ميتا، وإما أن يكون عالما أو جاهلا، أو لا عالما ولا جاهلا، وإما أن يكون قادرا أو عاجزا، أو لا قادرا ولا عاجزا، وذلك كما تقول: الموجود إما أن يكون واجبا أو جائزا أو ممتنعا. أو الموجود إما أن يكون ثابتا أو منتفيا، أو لا ثابتا ولا منتفيا، فيكون الذهن يقدر هذه التقديرات لا يقتضي جواز وجودها في الخارج؛ بل مع ذلك يعلم أن بعض هذه الأقسام ممتنع في الخارج، كما يعلم امتناع أن يكون الموجود ممتنعا أو أن يكون الموجود منتفيا أو نحو ذلك -وكما يعلم [عدم] خروج الموجود عن القسمين الحاصرين - مثل علم العقل بامتناع أن يكون الموجود لا خالقا ولا مخلوقا، أو [ ص: 138 ] لا قديما ولا محدثا، أو لا واجبا ولا ممكنا، والعلم بامتناع أن يكون الموجودان لا متقاربين ولا منفكين، ولا متباينين ولا متحايثين، فقول القائل: هذا الموجود لا داخل هذا ولا خارجه كقوله ليس مقارنا له ولا منفكا عنه بتقدم أو تأخر، أو يقال: هذان الموجودان ليس واحد منهما مقارنا للآخر، ولا قبله أو ولا بعده.

التالي السابق


الخدمات العلمية