صفحة جزء
وشهادة القرآن والأحاديث، ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام، لتقليب الله سبحانه قلوب العباد، وتصريفه إياها، وإلهامه إياها فجورها وتقواها، وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه. [ ص: 106 ]

فإن قلت: فأنا أسألك على هذا التقدير، بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه، وثباتي على ما قالوه وبينوه، كيف انبنى الثواب والعقاب، وصح تسميته فاعلا حقيقة، وانبنى فعله على قدرته؟

فأقول -والله الهادي إلى سواء السبيل -: اعلم أن الله جعل فعل العبد سببا مفضيا إلى آثار محمودة أو مذمومة.

فالعمل الصالح -مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه، وأخلص فيها، وراقب، وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات، والأعمال الصالحات- يعقبه في عاجل الأمر نورا في قلبه، وانشراحا في صدره، وطمأنينة في نفسه، ومزيدا في علمه، وتثبيتا في يقينه، وقوة في عقله، إلى غير ذلك من قوة بدنه، وبهاء وجهه، وانتهائه عن الفحشاء والمنكر، وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق، ودفع البلاء عنه، وغير ذلك مما يعلمه ولا يعلمه.

ثم هذه الآثار التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب مفضية إلى آثار أخر من جنسها وغير جنسها أرفع منها، وهلم جرا. [ ص: 107 ]

ولهذا قيل: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها».

وكذلك العمل السيئ -مثل الكذب، مثلا- يعقب صاحبه في الحال ظلمة في القلب، وقسوة، وضيقا في صدره، ونفاقا، واضطرابا، ونسيان علم كان يعلمه، وانسداد باب علم كان يطلبه، ونقصا في يقينه وعقله، واسوداد وجهه، وبغضة في قلوب الخلق، واجتراء على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه، وهلم جرا، إلا أن يتداركه الله بلطفه.

فهذه الآثار التي تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب، وإفضاء العمل إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله أسبابا إلى مسبباتها.

فالإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع، وقد ربط الله تعالى [ ص: 108 ] الشبع والري والشرب ربطا محكما. ولو شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل، إما بأن لا يجعل في الطعام قوة مغذية، أو يجعل في المحل قوة مانعة، أو بما شاء سبحانه وتعالى، ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل وشرب لفعل، أو بأكل شيء غير معتاد.

التالي السابق


الخدمات العلمية