صفحة جزء
والله سبحانه بعث الرسل بتوحيد الإلهية، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يخاف إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ويخلص له الدين، ويطيع رسله ويتبعهم، ويحب ما أحب ويبغض ما أبغض، ويوالي من والى ويعادي من عادى، ويأمر بما أمر وينهى عما نهى، حتى يكون الدين كله له، كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ، وقال تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة [ ص: 98 ] يعبدون ، وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، وقال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون .

فقد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر، فكيف بغيرهم؟! وقد قال عن النصارى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون . ومعلوم أن النصارى لم تجعل الأحبار والرهبان شركاء لله في خلق السماوات والأرض، ولا جعلت النبيين كذلك، بل جعلتهم وسائط بينهم وبين الله في الإعطاء والمنع والضر والنفع، وأعطوهم من الدعاء والطاعة ما لا يستحقه إلا الله، وظنوا أنهم يشفعون لهم عند الله كما يشفع المخلوق عند ملوك الدنيا، يشفع عنده من يعز عليه ومن يحتاج إليه، والله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا أحكامه، ولا شيء من دونه سبحانه وتعالى، فهو الذي يأذن للشفيع فيشفع، وهو الذي يقبل شفاعته، فالأمر منه وإليه، لا [ ص: 99 ] خالق غيره ولا رب سواه، فلا يرجى غيره، والشفاعة من جملة الأسباب التي قدرها وقضاها، يفعل بها كما يفعل بسائر ما يقدره من الأسباب.

وأما لفظ "النجباء" فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف من أقسام عباد الله الصالحين وأولياء الله المتقين، وإنما تكلم به بعض الشيوخ المتأخرين.

التالي السابق


الخدمات العلمية